بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 آذار 2026 12:00ص جوزاف عون: لحظة الدولة أو لحظة الضياع

حجم الخط
محمد نديم الملاح

فخامة الرئيس العماد جوزاف عون،
لم يعد لبنان يحتمل مزيداً من التردد أو المواربة. نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ هذا الوطن، لحظة يختبر فيها اللبنانيون معنى الدولة ومعنى السيادة ومعنى البقاء. فلبنان اليوم يقف على حافة معادلة خطيرة: عدو دموي حاقد لا يحترم القرارات الدولية، ومشاريع إمبراطورية خبيثة، تاريخها حافل بالحقد ضد العرب، تسعى اللهيمنة على المنطقة تحت شعارات تاريخية ما أنزل الله بها من سلطان.
وسط هذا المشهد العاصف يقف لبنان مكشوفاً، ضعيف الدولة، مثقل الانقسامات، تتجاذبه المصالح الداخلية والضغوط الخارجية. موقعه الجغرافي جعله، عبر التاريخ، جسراً بين الشرق والغرب، لكنه جعله أيضاً ساحة صراع دائم ومطمعاً لكل مشروع توسّعي في المنطقة.
لكن السؤال الذي لم يعد ممكناً الهروب منه هو: أي دولة نريد للبنان؟
هل نريد دولة فعلية، بقرار سيادي واحد وسلطة شرعية واحدة لا ينازعها نفوذ ولا سلطان؟
أم نقبل الاستمرار في دولة مزدوجة، تتقاسمها الطوائف والمصالح، ويضيع فيها القرار الوطني بين الولاءات والمحاور؟
إن الدولة التي تُدار بمنطق المحاصصة والامتيازات، وبعقلية «ابن الست وابن الجارية»، ليست دولة، بل نظام هش يتآكل من داخله. وما نشهده اليوم هو نتيجة عقود من هذا المنطق: مؤسسات ضعيفة، سيادة منقوصة، وقرار وطني مُصادَر.
لقد تحوّل لبنان، في نظر كثيرين، من وطن إلى ساحة؛ ساحة تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية والدولية، فيما يدفع اللبنانيون الثمن من أمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.
إن أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس العدوان الخارجي وحده، بل غياب القرار الداخلي الواضح. فلا قرار حرب واضح، ولا قرار سلم واضح، ولا دولة قادرة على فرض سيادتها الكاملة على أرضها.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى: دولة بلا قرار، وسيادة منقوصة، وشعب يُطلب منه أن يتحمل نتائج خيارات لم يُستشر فيها.
فخامة الرئيس،
التاريخ يضع أمامكم اليوم مسؤولية استثنائية. فالأوطان تمرّ أحياناً بلحظات نادرة يُعاد فيها رسم المسار، وتُحدد فيها ملامح المستقبل لسنوات طويلة. وهذه إحدى تلك اللحظات.
لبنان بحاجة إلى دولة لا إلى تسويات مؤقتة؛ بحاجة إلى سلطة حقيقية لا إلى إدارة دائمة للأزمات؛ بحاجة إلى قرار سيادي واضح لا إلى توازنات هشّة.
فالدولة الحقيقية لا تقوم إلّا عندما يكون قرار الحرب والسلم في يدها وحدها، وعندما تكون سيادتها غير قابلة للتجزئة أو المساومة. فإما دولة كاملة السيادة، وإما فوضى مقنّعة باسم التوازنات.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة في الحروب والأزمات والانهيارات، ولم يعد لديهم ترف الانتظار ولا قدرة على تحمل المزيد من الضياع.
الشرق الأوسط اليوم يعيش مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تحمي الدول القوية نفسها، أما الدول الضعيفة فتتحول إلى ساحات لصراعات الآخرين.
ولبنان لا يمكنه أن يبقى ساحة.
فخامة الرئيس،
اللبنانيون ينتظرون كلمة واضحة وقراراً شجاعاً يعيد الاعتبار لفكرة الدولة؛ قراراً يضع حدّاً لالتباس السلطة، ويؤكد أن السيادة لا تتجزأ، وأن لبنان لا يمكن أن يُحكم بمنطق الدولتين أو القرارين.
فالأوطان تُبنى عندما تكون هناك دولة واحدة، وسلطة واحدة، وقرار واحد، ومسؤولية واحدة أمام الشعب والتاريخ.
لبنان اليوم يحتاج إلى ما هو أكثر من خطاب سياسي. يحتاج إلى مشروع دولة:
دولة سيدة على أرضها،
حرّة في قرارها،
عادلة بين أبنائها،
وقادرة على حماية شعبها.
فإما أن ينتصر لبنان لفكرة الدولة...
وإما أن يبقى رهينة صراعات لا تنتهي.
والتاريخ، كما الشعوب، لا يرحم لحظات التردد.