في الطريق الى الجنوب! هكذا اعتبرت أن أكتب في أزمنة عابرة (وأكثر من يختلف نسبه بين يوم ويوم أو دقيقة ودقيقة).
واليوم، خطر على بالي، في عزّ أيام البطولة والقتل والتدميرو والموت على الطرقات، وفي الشقق المخفية والبعيدة عن النار، أو خط الجبهة، أن أعود إلى الجنوب، ليس ميدانياً، أو على الأرض، بل على الورق والحبر بألوانه الفاتحة والداكنة والكالحة والصالحة، وما يمكن أن يضاف!
أخشى ما أخشاه أن تكون العودة قد بعدت على خلفية ما يردده «جماعة العدوان» على الأرض والبشر والحجر، وجماعة العدوان هم هؤلاء الهمج الآتون على طريقة البرابرة، من دولة كانت للعرب على مدى قرون، وها هي الآن تتحول الى أرض لتنظيم الغزوات والحروب..
تقتضي العودة الى الجنوب، أو في الطريق الإفتراضي إليه، طرح المشكلة من الأساس، والمشكلة من الأساس هي زرع الاستعمار الغربي - الأوروبي، قبل أن ترث الولايات المتحدة المكانة الدولية لبريطانيا العظمى بعد الحرب العالمية الثانية، دولة على أرض الغير لمجموعة بشرية، منبوذة، وكانت تعيش وما تزال في الفيتوات، تدعى اليهود، أو العبرانيون. (الذين عبروا النهر) «إذاً، المشكلة هي «دولة اسرائيل» التي كانت على مدى قرون «دولة روحانية» تقتات للمستقبل من بطون التوراة والتلمود وسائر الكتب الدينية لهذه المجموعة، واستطراداً، في تتبع فصول المشكلة أو أقسامها، الطبيعة العدوانية، الشريرة، القاتلة لهذه المجموعة البشرية المنبوذة، التي زرعت في أرض لم تكن لها، ومضت تبحث عن التوسع عبر آلة القتل (عصابات الهاغانة وشيترن) التي زودتها بها الوكالة اليهودية الدولية، ثم دول الاستعمار الغربي، حتى بعد أن أعلن الرئيس الأميركي نيلسون مبادئه الـ 14، ومن ضمنها الحق بتقرير المصير..
تقتضي العودة الى الجنوب أو في الطريق إليه أن ينطلق اللبنانيون أو الباحثون عن أسباب ما يجري إلى أصل المشكلة، التي لمسها الجنوبيون، الذين نزحوا من أماكن مختلفة من لبنان وبعض دول المشرق الى منطقة تدعى جبال عاملة أو جبل عامل أو بلاد بشارة، هرباً من القتل المملوكي والتتري والاستبداد التركي أيام السلطنة، وهي تدخل مرحلة التقسيم أو تشارف على الإنهيار..
سكن هؤلاء الذين عرفوا بالشيعة، مع جيوب مسيحية، توزعت في قرى متاخمة للحدود مع الجليل الأعلى، أو ما كان يُعرف بفلسطين الطبيعية، بما فيها القرى، ويافا وحيفا والصفد وغزة، أي المساحة التي تمتد على ما لا يقل عن 18 كلم2..
كان الشيعة والمسيحيون على تواصل مع فلسطين ، الجليل الأعلى قبل قيام دولة اسرائيل، التي ستصبح دولة العدوان بامتياز..
في الطريق الى الجنوب، ومن زاوية افتراضية انحازت الجماعة الشيعية، مع آخرين من باقي الطوائف التي طابت لها مياه الليطاني والحاصباني والوزاني والزهراني وصولاً الى الأولي، ومن دون البرك والأودية وعيون المياه العذبة، فضلاً عن الشاطئ الممتد من رأس الناقورة الى طرابلس الفيحاء وما بعدها.. إلى البيئة المعادية لقيام «دولة اسرائيل» وانخراط هؤلاء ضمن المجموعات العربية المقاتلة ضد هذه الدولة الوليدة، الهجينة، فقدموا الشهداء مع جيش الاتفاق العربي في المالكية (الضابط الشجاع محمة زغيب)، الى سائر الشهداء بعد العام 1969 عام اتفاقية القاهرة، والاعوام التي تلت هزيمة الـ 67، التي لم يكن لبنان، طرفاً فيها، ولا حتى في القرار الصادر عن مجلس الأمن رقم 242، الذي لم ينفذ، ومضت اسرائيل في احتلال سيناء، والضفة وغزة والجولان السوري، بما في ذلك مزارع شبعا..
في الطريق الى الجنوب، تتزاحم صور القتل والقصف منذ بدايات السبعينات الى الاجتياح عام 1982، حيث شاهدت مع كثيرين من أبناء جيلي آليات «العدو الاسرائيلي» وجنوده آنذاك «بالقوات المشتركة» (أي التنظيمات اللبنانية القومية واليسارية اللبنانية المناوئة لأحزاب الجبهة اللبنانية التي تضم مقاتلي حزب الكتائب ونمور الأحرار وحرّاس الأرز)..
في الطريق الى الجنوب، وعلى سبيل الفكرة الافتراضية يمكن الكلام عن تداخلات اقليمية ودولية، أدت الى إعادة تكوين «لقوة التحرير» أو المقاومة.. ونشأ في هذه البيئة حزب الله، في اختبار جديد «للقوة الاسلامية» بعدما أصاب القوة القومية واليسارية مع منظمات حركات التحرير الفلسطيني من فقدان ثقة، ومسارات البحث من الحقوق عبر التفاوض بعد اتفاقية كمب دايفيد بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات ومناحيم بيغن زعيم الليكود ورئيس وزراء اسرائيل آنذاك (شارون).
إذاً، وليس من باب الدفاع أو التبرير أو ما شاكل من إسقاطات لا معنى لها، وتدخل في باب الهراء ليس إلاّ، حزب الله أولاً أطلق على نفسه «المقاومة الاسلامية» في لبنان ليس هو سبب الاحتلال ولا سبب العدوان.. والاحتلال كان قبله، والعدوان مرتبط بالاحتلال والتوسع ووظيفة الشرطي التي أعطيت لإسرائيل لاذلال العرب، ومنع عودتهم الى مسرح التاريخ الحضاري كلاعبين جديين، ومؤهلين لذلك..
ولكن، وهنا «بيت القصيد» في إطار تشكل مشكلة من نوع آخر.. لماذا لم تكن محطة التحرير عام 2000، هي خاتمة المطاف للمقاومة الإسلامية، والذهاب الى انخراط في إعادة إحياء الدولة بعد اتفاق الطائف الذي صار دستوراً؟..
المسألة، لا تعالج بفقرة أو فقرتين.. وهي تحتاج الى أكثر من ذلك بكثير..
جاء اشتراك حزب الله، الذي كان يقضُّ المضاجع لدى الرافضين لجملة الحروب التي لا تتوقف ولم تتوقف في الجنوب، من ضمن «مهمة إقليمية» لنصرة غزة.. والباقي لا يجهله اللبنانيون الحرصاء على الحقيقة، ولو في حدودها الدنيا.. (والأيام ستثبت صوابية الاشتراك من عدمه.. وإن كان كاتب هذه الأسطر من الرافضين باستخدام الأرض المحرَّرة في بازارات الحروب التي لن تنتهي..
(... وفي الطريق الى الجنوب، تذكرت ما كنت كتبته مرات ومرات نقلاً عن مجلة المانية عام 1944 من أن الحرب تندلع في الشرق، وبسبب الشرق، وتنتهي في الشرق» وهذا ما هو حاصل الآن: النفط والغاز، والثروات لزمرة حاكمة وقاتلة تهيمن على القرار في البيت الأبيض..
بهذا المعنى، وفي الطريق الى الجنوب، ما زلت ضد الحرب، وضد هيمنة القتلة - السفلة من نتنياهو الى ترامب (دونالد ترامب الرئيس الاميركي).. ولكن في الطريق الى الجنوب، ثمة مخاوف تنتابني من الإلتحاق بـ «نكبة فلسطين».!