27 أيار 2023 12:11ص رحيل اللواء سامي الخطيب في عامه الثالث

حجم الخط
الاستثنائية عند اللواء سامي الخطيب التي يجدها الكاتب، أينما توجّه في رحاب ذلك التاريخ الأغر الذي أضاءته مواهبه وطاقاته وأقواله وأعماله، هي مما يعجز عن الإحاطة به اي كاتب. ونحن هنا إذ تحاول، فلن يُخجلنا الاعتراف بالعجز عن إدراك تلك الابعاد البعيدة، ولن يخجلنا أن نقول: إن ما نبذله من جهد وما نقدمه لا يعدو أن يكون فصلاً من سفر أو غَرفة من نهر .
ذي وجهين: وجه البناء النظري المعرفي في آنٍ معاً، أي تراجع أو انحراف، مع مرونة مذهبية في التعامل مع الأحداث والمتغيرات، حيث تكون النتائج دائما فى صالح ما تريده وتراه هذه الشخصية الفذة من مصلحة للأمة وللوطن على حد سواء. 
أعطى أكبر ما يمكن أن تعطيه - القدرات والعطاءات، ومنح لبنان كل عقله النيّر، وفكره الحصيف، وقلبه الكبير.
وإن لم تنضج ثمار أعماله، فلأن البذرة زرعت في أرض لم تعد بعد لكي تقبل مثل هذا البذار لمثل هذا العطاء...
أو يغيب فكره ولا يعود قلبه الكبير قادراً على الخفقان في وقت أحوج ما يكون لبنان لمثله، ولخبراته، ولنبضات قلبه؟ 
مات وهو يضج بالنشاط وبالحركة، وصمت وهو في ساح الضجيج الذي أصم أذاناً لا تسمع، وأعمى عيوناً لا تقشع...
من يتأمل سيرة اللواء سامي الخطيب من حيث الشمولية الفكرية والممارسة الأخلاقية وأدواتها ومرتكزاتها، يجد أنه يجمعُ ذلك كله في شخصيَّته العملاقة التي تتنوع فيها مكونات الحياة العظمة الإنسانية بأعلى أشكالها. فهو المفكر، والمنظر الأخلاقي. امتلك القدرة المدهشة على إدراك أسرار بواطنها وظواهرها، خفاياها وأسرارها، قدراتها المذهلة على صياغة نظرياتٍ متكاملة في شؤون الحياة ومناحيها. كل هذه القدرة الهائلة من الامتلاك المعرفي والأخلاقي عند اللواء سامي الخطيب صاغت الشخصية الحكيمة القادرة على إبداء الرأي الصحيح والوصول إلى النتائج الصحيحة.
حين تُمسك القلم لتكتب عن اللواء سامي الخطيب لا بد أن ينتابك شعور من الزهو والفخار، ليس لأنك عامل في أنبل الإنجازات التي تحققت على يده فحسب، بل لانك تعايشه فعلاً وتحيا في عصره الذي يشهد تجذر فكره وصوابية قراراته، وعظمة حكمته وسمو اخلاقه.
الكتابة، إذا، عن اللواء سامي الخطيب هي بطبيعة الحال كتابة عن صانع المجد والشرف للمستقبل الزاهر على مدى أجيال كثيرة.
فإن الكتابة فيها تقع في حدود الصعوبة التي أشرنا إليها. وهي مقاربة للألق لا دخول في الجوهر أو إحاطة به، لأن مثل هذا الدخول أو الإحاطة متعذر فعلياً أمام هذه الشخصية الحكيمة النادرة.
ان كل من عرف اللواء سامي الخطيب لمس فيه هذه الشفافية الإنسانية الرقيقة وذلك التواضع الجمّ الأصيل، تعززهما ثقة عالية بالنفس. إن هذه الثقة الآسرة، وهي أحد العناصر السامية التي تكوّنت منها شخصية منذ بدء تكونها، امتدت أبعادها واتسعت جوانبها لا تستطيع أن تضيف على الطبائع أو تحذف منها، في حين أن الطبيعة الفذة المميزة هي التي تصنع السلطة، وتصوغ منها الأنماط الاجتماعية.
إنَّها الأخلاق النبيلة السمحة والتواضع المعبر عن أصالة التكوين عند اللواء سامي الخطيب تكاملت لدى هذه الشخصية العظيمة التي تقوم على قاعدة رائعة من حب الناس ورعاية شؤونهم ومصالحهم، فبادلوه حبا بحب وولاء بولاء. وتلك هي : غاية الحكمة ومبتغاها في نهاية المطاف.
كانت هذه الرؤية لمعنى الحياة ومعنى المسؤولية هي «الحكمة « بمعناها الكلي، فإن هذه «الحكمة المفردة» تظل صالحة على امتداد واختلاف الأمكنة ما دامت الحياة الإنسانية قائمة، لأن فيكينونتها:  صراع العدل ضد الظلم، والحق ضد الباطل، والخير ضد الشر... ومن يتعمق في أقوال اللواء سامي الخطيب يجد ما لا يُعد من مثيلات هذه المقولة المتضمنة للحكمة ذات المضمون الذي يصح وصفه بأنه «مطلق» قياسًا إلى عموم الحياة البشرية. 
إن الحفاظ على البقاء البشري هو غاية الحضارة، اما اساس الحضارة فهو الإنسان عموما، والإنسان الفرد على وجه الخصوص والتحديد. ولكن الإنسان الفرد هو، في نهاية الأمر، ابن وطن وابن مجتمع وابن أمة. والأمم يتمايز بعضها عن بعض، وتتميز الواحدة عن الأخرى بمقدار ما يقدم أبناؤها من إسهام في عملية الارتقاء الإنساني، ومن خدمة لتفتح الشخصية الإنسانية وانطلاقها نحو آفاق جديدة من التسامي والسمو. 
ويحس المرء، وهو يقرأ هذه العبارات أو يسمعُها، بعظَمة السمو في فكر اللواء سامي الخطيب وفي اخلاقه ونبل مقاصده. فنحن في الواقع أمام حال من نكران الذات قل نظيرها، وقيم تحدد أنواعًا يندر أن تجد لها شبها إلا لدى القلة القليلة.
وفي الكلام على اللواء سامي الخطيب تتجاذبك في آن معاً الذاتية والموضوعية. الذاتية نظراً للصداقة التي تربطنا، والموضوعية حتى لا تجرفك العاطفة إلى الانحياز. 
  لأن الرجل يحمل من الصفات والخصال الحميدة ما يريحك وحتى إن الكلمات تعجز عن أن تفيه حقه ؛ ففيه يتطابق الذاتي والموضوعي ويتوازنان ويتكاملان ويترادفان.
فتضيء مناراتها ! لا يتهرب من تبعة ولا يتراجع عن همة ، يأخذ بناصية الواجب، يستلهم الإيمان العفوي النابع من القلب والمؤيد بنور العقل بعيداً عن كل ادعاء. يعرف دوما أن يتجدد ليس هناك كبير عنده سوى الوطن .
سطر صفحات من الجهاد في خدمة وطنه لبنان بصدق وإخلاص واستمرارية في العمل وإصرار على العطاء .
وأن أحيي فيه روحه الوثابة وجده واجتهاده في خدمة وطنه وامته. ومن الأعماق أسطر هذه الكلمات التي ملؤها الحب ، تحمل بين ثناياها صفاء المودة، وبكل التقدير لهذه الشخصية الفذة التي أخلصت في عملها وصدقت في أداء رسالتها. 
انه صانع الكلمة الجريئة.. كان فارساً من فرسان لغة الضاد.. ومناضلاً عنيداً من أجل الحرية والديموقراطية ، مدرسة في العرافة والاخلاق والعطاء الجدي يتخطى كل الحواجز والعراقيل والظروف القاسية وعقبات هذا الزمن الرديء.
قلة أولئك الذين يؤمنون ان في الحياة املا، وان لا مكان لليأس في وتيرة تسارعها، وعلى وقع سقطاتها او انجازاتها. 
رجل من صفوة ، ومن خيرة القوم ، طيب القلب، صادق القول، كريم النفس، عركته الحياة وعجبته بأريجها الفواح وزهرها الجميل وعطرها الرائع، فانبتت الأرض الزرع الطيب ، وامتدت جذوره في باطن التاريخ، فخرجت الأصالة التي ميزته كأصيل بطيب النفس وسمو الخلق...
أنت رمز البذل والعطاء، معك وفيك حكاية اللبناني مع ذاته، مع اصالته وتراثه مع ابجديته وآثاره... نخسر اليوم بغيابك واحداً من عناقيد الجهاد الشامخ شموخ الأرز الذي يعانق السماء.
نودعك ايها الفارس الذي لم يترك جواده او يترجل عنه، بل بقي على صهوته يقاوم في زمن تعملق فيه اقزام القوم، فسرقوا القرار واستباحوا الأرض وضاع الاحرار في وطن كثرت فيه الفاقة والاشرار والفساد والإفساد.
ولا عجب ان بكينا لك بدماء القلوب قبل دموع العيون.. لانك وردة على صدر الحقيقة، تصنع عبيراً ينعش القلوب وفكراً يحفز الأذهان. رحيلك يحمل الينا رسالة، بل شهادة انسان كان كبيراً في تواضعه وبساطته وتسامحه، عمل بعناد ومثابرة لأنه يؤمن بالقضية التي نذر نفسه لها، الا وهي قضية الانسان الذي هو قيمة بحد ذاته، بل هو القيمة والهدف دون سواه، من اجله يرخص كل شيء وفيه جوهر الوجود .
أود أن أذكر أنَّ كلَّ ما قرأت عن الراحل الكبير من أقوال لمستُ فيها شغاف قلب فاضت منه سجية، وحرارة صدق عبرت عن روح إنسانيَّة علوية، ومشاعر إنسان مؤيد بروح لم تدركها العقول. رسالةً ما تزال حيَّةً في روح قائلها، أو ما تزال روحه حيَّةً فيها. رسالة تنساب كلماتها من السطور إلى القلبِ فأحس بها بَردًا ينعشُ النفس، ويُعطي الروح معنى سرمديا في الحياة.