بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 شباط 2026 12:00ص صدام متجدّد

حجم الخط
 كل أربع سنوات، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام الإستحقاق النيابي، فيبدأ شدّ الحبال، وتعلو النبرة وتحتدّ المواقف وتتعالى الأصوات، وتدخل البلاد في معمعة، لها أول وليس لها آخر.
كل طرف من الأطراف، يريد الانتخابات على مقاسه، حتى يتمكن من حصد النسبة العالية من المقاعد، وحتى يتمكن المرشح من نيل أكبر سلة من عدد الأصوات.
ليس هناك من وحدة في الرأي، ولا من وحدة في الإتفاق، فكل طرف من الأطراف يريد المشاركة ويريد الفوز مسبقا، ولو على حساب الدستور، ولو على حساب القوانين المرعية الإجراء.
اللبنانيون يتخبطون كل أربع سنوات على قانون الانتخابات. يغامرون في كل شيء، وكأنهم أبطال المغامرات كلها، حتى يكادوا يسجلون النسبة العالية في المغامرات. يركبون رؤوسهم على الشاشات، وفوق المنابر، ويزايدون على بعضهم في المطالبة بالعدالة والمساواة. يرفعون راية الانتخابات ليظهروا أمام الملأ، أنهم المحافظون على الحرية وعلى الديمقراطية، وأنهم المحافظون على الجمهورية، وأنهم وحدهم أصحاب الغيرة على البلاد.
لا أمل حقيقة بجميع الأطراف، صاروا مجرّبين لسنوات وسنوات، ولدورات ودورات. ما من طرف منهم، إلّا ومرّ تحت «قوس النصر» في الانتخابات، أتى بأعظم كتلة نيابية، ولكن لبنان ظل جامدا، بلا ماء ولا كهرباء، ظل سائبا في الدوائر الحكومية، وما كانت الكتل النيابة، أن تردّ عنه غائلة، ولا أن تمنع عنه الفتن والاضطرابات. وظل اللبنانيون على هاجسهم في الأمن والخبز، وفي الكتاب المدرسي، وفي الكتاب الجامعي، وعلى أبواب المستشفيات.
الانتخابات حق دستوري للجميع، وحق قانوني هي أيضا. فلماذا لا تستيقظ الفتنة، إلّا على أبواب الانتخابات؟!
كل أربع سنوات، يعود اللبنانيون إلى النغمة ذاتها: زيد ينتخب.. زيد لا ينتخب. وأما اليوم فقد صرنا إلى معادلة جديدة: زيد لا يحق له المشاركة في الإنتخابات...
اللبنانيون سواسية في الدستور، واللبنانيون سواسية أمام القانون. ينامون طوال أربع سنوات على هذه المعادلة، وحين يستيقظون بعد أربع سنوات، يجدون أنفسهم، ليسوا سواسية أمام الانتخابات، ولا أمام صندوق الإقتراع، ولا يحق لهم الإقتراب منه، خشية أن تخرب البلاد.
مضى على تأسيس المجلس النيابي، زهاء قرن من الزمان، ولم يسجل اللبنانيون أي خرق حميد في البلاد. وكانت الحروب تروح وتأتي، فما ردّ المجلس النيابي حربا منها. بل غالبا ما كنا نرى، كيف يستجرّ المجلس النيابي الحرب إلى لبنان. فلنعد إلى السجلات، ولنعد إلى الشاشات، ولنعد إلى فوتوغرافيا الجلسات، لنرَ كم كان السادة النواب غارقين في الثبات، والماء تجري تحتهم. بل لنرَ كيف كان أصحاب السعادة، يجرّون البقرة الحلوب من قرونها، إلى الذبح، لإقتسام لحمها.. كيف كانوا المساهمين الأساسين في الخراب.
الانتخابات النيابية، تضعنا كل أربعة أعوام، أمام الصدام المتجدد على من يحق له الإقتراع، ومن لا يحق له الإقتراع، كأن الناس في لبنان: «ناس بسمنة وناس بزيت». فإلامَ نظل نعيش على أعصابنا، حين تأتي الانتخابات؟ لماذا كل هذا التوتر في البلاد؟ أما شبعنا حروبا، أما شبعنا سلاحا وأنفاقا، أما شبعنا نفاقا، أما شبعنا من الدجل والإستخفاف بحق شعبنا، في أن يعبّر عن إرادته بكل حرية، في الإختيار وفي الإنتخاب.. أليس ذلك من حقوقه المقدّسة؟
اللبنانيون ضائعون هذه الأيام، فهم «كالأيتام على مأدبة اللئام»، لا يعرفون على أي قانون سوف يقترعون، ولا يعرفون من يمنع من من الانتخابات. يتجدّد الصدام هذا الموسم كما في كل موسم إنتخابي، ويستشرس الفرقاء في مواقفهم، حتى التهديد بالعودة إلى الحرب، فهل أعادت الحرب إلينا العدالة والحرية والديمقراطية، بل هل أعادت إلينا الكرامة والبحبوحة والشرف النبيل؟ هل أعادت إلينا الجنوب، ونحن نخوض جميع الحروب لأجله؟
فكفى دجلا علينا أيها المستخفون بوطنهم لبنان!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية