بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 شباط 2026 12:10ص عودة الحريري... توازن عربي لا تحدٍّ سعودي ولا رهان إماراتي

حجم الخط
د. محمد دوغان

في السياسة اللبنانية، لا تعيش الشائعة طويلاً بوصفها همساً؛ سرعان ما تتحوّل إلى رواية متكاملة الأركان. آخر هذه الروايات تقول إن توتر العلاقة بين الرئيس سعد الحريري والمملكة العربية السعودية فتح الباب أمام الإمارات العربية المتحدة لاحتضانه ودفعه إلى عودة سياسية تُقرأ كمواجهة غير مباشرة مع الرياض. رواية جذابة لمن يحبون تبسيط المشهد، لكنها تتهاوى أمام قراءة دقيقة للوقائع ولخطاب الرجل نفسه في ذكرى استشهاد والده رفيق الحريري.
لبنان اليوم ليس ساحة فائضة عن الحاجة في الصراع الإقليمي، بل دولة منهكة تبحث عن شبكة أمان عربية تعيد وصل ما انقطع. وأي زعامة سنية، بحجم الحريري، تدرك أن مشروعها لا يمكن أن يُبنى على خصومة مع الرياض، التي شكّلت تاريخياً ركيزة أساسية في تثبيت معادلة ما بعد اتفاق الطائف. الطائف ليس مجرد وثيقة دستورية؛ إنه الإطار الذي أعاد إنتاج الشرعية، ورسم توازناً دقيقاً بين المكونات، وكرّس الانتماء العربي للبنان. ومن يتمسّك به يتمسّك ضمناً بمرجعيته العربية.
خطاب الحريري في الذكرى لم يحمل أي إيحاء بانتقال من محور إلى آخر. على العكس، كان حريصاً على تثبيت ثلاثية واضحة: الطائف، العروبة، وأفضل العلاقات مع الأشقاء العرب من دون استثناء. هذا ليس تفصيلاً بل تموضع سياسي محسوب. فالرجل يعلم أن العودة إلى الحياة السياسية لا تمرّ عبر استثمار في تباينات خليجية، بل عبر إعادة بناء الثقة داخلياً أولاً، وترميم الجسور عربياً ثانياً.
صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت فتوراً في العلاقة مع السعودية، وصحيح أيضاً أن الإمارات حافظت على قنوات مفتوحة. لكن تحويل ذلك إلى معادلة «دعم مقابل مواجهة» يتجاهل طبيعة النظام الإقليمي ذاته. الرياض وأبو ظبي، مهما تباينت مقارباتهما في بعض الملفات، لا تتعاملان مع لبنان كساحة صراع مباشر بينهما، بل كملف يحتاج إلى استقرار وتوازن. ومن يعتقد أن أي طرفا خليجيا سيدفع بزعيم لبناني إلى خوض معركة سياسية ضد طرف خليجي آخر، يتجاهل منطق المصالح الهادئة التي تحكم العلاقات بين الدول.
الأهم أن الحريري، في حساباته، لا يستطيع أن يبني عودة سياسية على قاعدة انقسام عربي. البيئة السنية في لبنان، تاريخياً، ارتبطت بعمقها الخليجي، والسعودي تحديداً. وأي انطباع بقطيعة نهائية سيترك أثراً بالغاً على شرعية القيادة داخل هذه البيئة. لذلك، فإن البراغماتية تفرض عليه أن يوازن بين الانفتاح على الجميع، وعدم الاصطفاف ضد أحد.
في الداخل، تبدو رسالته أكثر حسماً: لا تعديل على الطائف خارج الأطر الدستورية، ولا انقلاب على الصيغة تحت ضغط اختلال موازين القوى. هذا الموقف، في لحظة تتكاثر فيها الدعوات إلى أعراف جديدة، يعيد تموضعه كحارس للتسوية لا كمغامر سياسي. وهو تموضع ينسجم مع إرث والده أكثر مما ينسجم مع سرديات المواجهة.
المسألة إذاً ليست فيمن «يحتضن» من، بل في أي مشروع سياسي يُراد للبنان. هل هو مشروع إعادة وصل بالعالم العربي كله، أم مشروع ربط بممر إقليمي واحد؟ خطاب الذكرى قدّم جواباً واضحاً: لبنان عربي الهوية والانتماء، وعلاقاته لا تُدار بمنطق المحاور بل بمنطق التوازن.
قد تتغيّر الظروف، وقد تتبدل الأولويات، لكن الثابت أن أي عودة سياسية وازنة لسعد الحريري لا يمكن أن تقوم على تحدّي السعودية، ولا على الاستثمار في تباين إماراتي - سعودي. بل على العكس، تقوم على محاولة جمع ما تفرّق، وتحييد لبنان عن صراعات لا قدرة له على تحمّل كلفتها.
بين الشائعات والتحليل الرصين، يبقى المعيار هو الخطاب المعلن والسلوك الفعلي. وحتى اللحظة، لا شيء في مواقف الحريري يوحي بأنه اختار مواجهة عربية. بل كل ما فيها يؤكد أنه يدرك أن خلاص لبنان يمر عبر عروبته الجامعة، لا عبر تحويله إلى ساحة اختبار للتوازنات الخليجية.