بيروت - لبنان 2022/07/07 م الموافق 1443/12/07 هـ

فرنسا وبيروت... علاقات تاريخية متجذّرة

حجم الخط

شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت حدثاً بارزاً عقب إنفجار الرابع من آب، فكان أول مسؤول رفيع المستوى يصل بيروت لتفقّدها عقب الفاجعة التي حلّت بها، فضلاً عن وضعه لخارطة طريق لحل الأزمة اللبنانية، وكلامه عالي النبرة مع المسؤولين اللبنانيين.

وعلاقة الفرنسيين ببيروت قديمة، وتعود تحديداً الى فترة الحروب الصليبية، فقد حكمت أسرة إيبلان الفرنسية بيروت في نهاية الفترة الأولى من الحكم الصليبي، لتنتهي فترة حكمها في العام 1187 على يد صلاح الدين الأيوبي، لتعود الأسرة الفرنسية وترتبط ببيروت خلال الفترة الثانية من الحكم الصليبي الممتدة من العام 1197 حتى العام 1291، لينتهي حكمها على يد المماليك.

وكان يعتبر جان الأول أول من حكم بيروت من أسرة إيبلان في الفترة الثانية، وقد عرف بـ (شيخ بيروت و«سيدها»)، وإمتدت فترة حكمه حوالي 39 سنة، وبعد وفاته خلفه إبنه البكر باليان الثالث، وفي عهده عقد الصالح أيوب صلحاً مع الصليبيين، أقرّ لهم به الحق في إمتلاك بيروت وذلك في العام 1241، وبعد وفاة باليان الثالث خلفه إبنه البكر جان الثاني المعروف بالصغير، وقد أصبح حاكماً على بيروت، ليخلفه عدد من أبنائه وأحفاده وصولاً الى روبن، الذي كان آخر من حكم بيروت من أسرة إيبلان الفرنسية، بعد جلاء الصليبيين عن المشرق العربي على يد المماليك بقيادة السطان الأشرف خليل بن قلاوون وذلك في العام 1291، علماً أن بيروت قد إزدهرت في تلك الفترة، لجهة الحركة التجارية فيها بين مرفأ بيروت ومرافئ الغرب الأوروبي، واصبحت المركز التجاري الأول الذي تقصده الجاليات الأوروبية.

عرفت بيروت إزدهاراً زمن المماليك، وأصبحت محط إهتمام الرحالة الأجانب خاصة الفرنسيين منهم، فقد زارها الرحالة الفرنسي برتراندون دى لابروكيه في العام 1432، وكتب عن حياة أهالي بيروت وأوضاعهم الإجتماعية وطريقة إحتفالهم بالعيد، وعقب معركة مرج دابق في العام 1516، دخلت بيروت في ظل الحكم العثماني، وقد أولى الأمير فخر الدين الثاني بيروت عناية خاصة، وسمح للإرسالية الكاثوليكية الكبوشية بتوسيع أعمالها لتشمل بيروت، بعد أن أوصى الملك الفرنسي لويس الثالث عشر بهم لدى البطريرك الماروني يوحنا مخلوف الأهدني، وكان يشترط لتأسيس الأديرة أن يكون الكبوشيين من التابعية الفرنسية، وقد تبدى إهتمام الفرنسيين ببيروت في ذلك الوقت بما قاله الراهب اليسوعي جوزيف بسون حول التجار الفرنج بأنهم كانوا يدعون بيروت (باريس الموارنة الصغيرة).

في العام 1685، وضع قنصل فرنسا في صيدا مذكرة حول النشاط التجاري وأشار فيها الى توسيع صلاحية قنصليته لتشمل بيروت، وقد وصف إنصراف التجار عن بيروت بعد أن كسدت فيها تجارة الحرير بقوله:» أمّا بيروت، فقد تركها التجار الفرنسيون بعد أن كسدت فيها تجارة الحرير.... ولكن عندما تضاعف إنتاج الحرير في فرنسا، لم يعد الحرير البيروتي مطلوباً في مصانعنا».

إعترف السلطان العثماني مصطفى الثاني بالشيخ حصن الخازن قنصلاً عاماً لفرنسا في بيروت وذلك في العام 1699، واصبح التجار الفرنسيين بناء على ذلك يلجأون إليه في شؤونهم وقضاياهم، وأصبح قنصل فرنسا بناء على الرغبة السلطانية يتقدم على باقي القناصل، وإزدادت أهمية بيروت لدى الفرنسيين أكثر فأكثر، خاصة لأهمية موقعها التجاري، فقد ترأس قنصل فرنسا في صيدا هونوريه دى فيريون إجتماعاً لمجلس تجار الجالية الفرنسية، تمحور حول دور مدينة بيروت في تجارة القطن وذلك في العام 1753، وقال القنصل أن مدينة بيروت اصبحت تجذب الفرنسيين ووصف أهلها بأنهم «نشيطون بطبيعتهم وصبورون على العمل»، كما بعث القنصل بمذكرة الى باريس تبرز أهمية مرفأ بيروت، لناحية تشجيع القوافل للقدوم الى بيروت، وإقترح إقامة نشاط تجاري فرنسي ثابت ودائم في بيروت.

يعتبر العام 1832، مفصلياً في تاريخ بيروت فقد دخلت تحت الحكم المصري بقيادة إبراهيم باشا، وعرفت إزدهاراً وتقدماً، فكان يقصدها التجار والرحالة الأجانب من كل دول أوروبا، وإستمر الحكم المصري فيها حتى العام 1840، لينتهي بدخول قوات أوروبية – عثمانية الى بلاد الشام ومنها بيروت.

بعد خروج القوات المصرية من بيروت، وقعت فتنة العام 1840 وكانت فرنسا تدعم الموارنة حفاظاً على نفوذها وساعدت المطران طوبيا عون في تولي مطرانية بيروت، وفي العام 1860، وقعت الفتنة الكبرى في جبل لبنان، وكانت تلك الأحداث بداية التدخل العسكري الفرنسي المباشرفعلى أثرها وبعد حوادث دمشق التي إندلعت في 9 تموز، والتي إستمرت تسعة أيام متواصلة ، قرر الإمبراطور الفرنسي نابوليون الثالث، إرسال حملة عسكرية الى بيروت، إثر عقد المؤتمر الأوروبي في باريس من 1 الى 3 أب، وتم الإتفاق فيه على إرسال حملة أوروبية مؤلفة من 12 ألف جندي، على أن تقوم فرنسا بإرسال الدفعة الأولى والبالغة ستة آلاف جندي ، بحجة حماية المسيحيين.

وصل الأسطول الفرنسي الى بيروت في 16 أب من العام 1860، وكان بقيادة الجنرال DE BEAUFORT D’HAUTPAUL، وقد خاطب الأمبراطور الفرنسي جنوده قبل إبحارهم قائلا: «ستقومون بواجبكم في الأرض الغنية بتذكارات مجيدة، وستبرهنون أنكم أولئك الأبطال الذين حملوا علم المسيح في تلك البلاد بعز وشرف...».

وقد نزلت القوات الفرنسية في حرج بيروت، فيما نزل الجنرال الفرنسي وكبار قادته في بعض المنزل المحاذية لطريق الشام، وتوجهت قوة فرنسية نحو يبت الدين ودير القمر.

وعلى أثر ذلك التدخّل العسكري الفرنسي المباشر، تحولت بيروت الى مركز دولي لحل أزمة جبل لبنان، وعقد فيها مؤتمر دولي، إنتهت مداولاته في العام 1861 الى وضع مسودة نظام حكم جديد لجبل لبنان، وبعد إعلان مدينة بيروت مركزاً لولاية بيروت تحولّت إلى مركز هام لتجارة الحرير، وبخاصة بعد تطور وسائل النقل بين أوروبا والمشرق العربي، بفضل السفن التجارية التي كانت تنقل الحرير من بيروت باتجاه مرسيليا وغيرها من المدن الفرنسية، فتحولّت فرنسا إلى سوق عالمي للحرير. وبدأت الرساميل الفرنسية تتجه نحو بلاد الشام من أجل تأسيس معامل حل الحرير على الطراز الأوروبي، اعبتاراً من مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقامت هذه الرساميل الفرنسية بربط بيروت بكل من متصرفية جبل لبنان التي تعتبر المركز الرئيسي لإنتاج الحرير، وبالمدن الساحلية، بواسطة شبكة من المواصلات. وكان الهدف منها تأمين وصول الحرير الخام إلى بيروت بأقل كلفة. وبذلك تم شقّ الطرق التي تربط بيروت بكل من: طرابلس، صيدا، بعبدا، بيت الدين، بعبدات، وبكفيا.

بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة الدول العثمانية، دخلت بيروت في ظل الحكم العربي، لكنه لم يدم فيه سوى أحد عشر يوماً، فما أن دخل الأمير فيصل دمشق حتى أرسل شكري باشا الأيوبي إلى بيروت، فوصلها في 6 تشرين الأول وأعلن دخول المدينة في ظل الحكم العربي ورفع العلم العربي على السراي ثم توجه إلى بعبدا، فرفع العلم العربي على السراي ودعا مجلس إدارة المتصرفية إلى الاجتماع، وكلّف رئيس المجلس حبيب باشا السعد بتولّي الحكم في الجبل. 

وفي 7 تشرين الأول دخل الحلفاء إلى لبنان، الإنكليز عبر الساحل من فلسطين باتجاه بيروت فوصلوها في 7 تشرين أول 1918 وأنزل الفرنسيون وحدات من الجيش الفرنسي في المدينة. 

ما كاد الفرنسيون يدخلون بيروت حتى اعترضوا على الحكم العربي وأنزل دي بياباب العلم العربي، ورفع العلم الفرنسي وغادر شكري الأيوبي بيروت على أن يبقى جميل بك الألشي في بيروت بوصفه معتمداً عربياً لدى الفرنسيين. 

في العام 1920، أعلن الجنرال غورو دولة لبنان الكبير بعد وقوع لبنان تحت الإنتداب الفرنسي تنفيذاً لإتفاق سايكس – بيكو، وأصدر القرار رقم 336 والذي جعل في مادته الرابعة مدينة بيروت عاصمة دولة لبنان الكبير.

ظلّت بيروت تحت سلطة الفرنسيين حتى نيل لبنان إستقلاله في العام 1943، وقد غادرها الفرنسيون نهائياً في العام 1946، لكن رغم ذلك بقيت المصالح الفرنسية ناشطة في بيروت، ليلعب الفرنسيون دوراً هاماً في عهد الرئيس فؤاد شهاب، للتراجع بعدها حدة الدور الفرنسي المباشر في بيروت، حتى العام 1982، الذي شهد مشاركة فرنسا في القوات المتعددة الجنسيات، وكان عهد الرئيس جاك شيراك بارزاً في تطوير علاقة فرنسا بلبنان وبيروت تحديداً إنعكاساً لعلاقاته المتميزة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصولاً الى زيارة الرئيس ماكرون الى بيروت وزياراته المتوقعة.

علاقة فرنسا ببيروت قديمة العهد ومتجذرة، فهل يستطيع الرئيس ماكرون إستغلال ذلك الموروث الضخم في إصلاح حال الطفل غير المدلل حالياً لتلك الأم الحنون؟

محامي – محلل سياسي


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 7 7 2022
قراءة في مآلاتِ حرب أوكرانيا
معمل الزهراني.. من يسعى لإطفاء توليده للكهرباء؟
الحكومة عالقة.. والعهد يستثمر بالترسيم البحري