سؤال قديم، جديد، طُرح على أجدادنا، ويُطرح اليوم علينا:
ما معنى إنتصرنا؟..
وهل نكون إنتصرنا حقيقة، إذا ما كنا ورثنا من الصراع الطويل، وخصوصا في الحرب الإسرائيلية الأخيرة، مآسي جمّة، لا تزال جاثمة وماثلة للعيان، في قرى الجنوب وفي بيروت وصيدا وصور، وجميع قرى البيئة الحاضنة.
إنها لمآسٍ عظيمة حقا، لم نتغلّب عليها، وهي كانت ولا تزال تنخرنا وتنخر في ورشة موت ودمار وفساد، حتى بتنا نعود إلى المأساة الدهرية التي ضربتنا، منذ الإسلام الأول حتى اليوم.
نريد أن نقول، لمن يقول في كل مرة، «إنتصرنا»، إن تاريخنا ليس كله إشراق، وليس كله شعر غزل وغناء على الرمال في البوادي وفوق الدوارس، وفي الليالي المقمرات على دروب الحج، وفوق ظهور الخيل والجمال. ليس كله بالتأكيد إنتصارات متتالية، ولا مهرجان دائم من الأنوار. بل نحن ذقنا وأمتنا، طعم النصر مثلما ذقنا طعم الإنكسار والهزيمة والكوارث، ومثلما عرفنا شعشعة الأنوار، غمرتنا أيضا الظلمة، وتهنا في بحار الظلمات. ذقنا الجوع وتذوّقنا الفقر وعضتنا الفوضى بنابها، ونال الذلّ منا، خصوصا المتمثل اليوم بالوجود الإسرائيلي في فلسطين، وفي لبنان وسوريا، وها هو جاثم بأبشع صوره في غزة والقطاع، فلا إسناد ولا ما يحزنون، وإنما نناظر ونحاور وندور ونراوغ، ونصادق ونعادي، ونتفانى ونفاني الزمان مقاساة مرّة، تتحمّلها الأجيال اليوم وغدا، تماما كما تحمّلناها نحن، وخبنا، وبتنا وقد أورثناها، أولادنا وأحفادنا.
ما شعرنا يوما أننا نخوض حربا واحدة، ولا شعرنا أننا نسير في أيامنا كلها على درب عروبة واحدة. فهي بالرغم منا، كانت عروبة أمة واحدة، ولكن سرعان ما كنا نراها تتعدد، بقدر ما فيها من فواصل سياسية وجغرافية حاجزة ومانعة. وبقدر ما فيها حتما، من حواجز إجتماعية، تحوي في بؤرها، ما قد يستحق أن يسمّى وطنا ضمن الوطن العربي الواحد. وأن هذا الوطن الواحد وبيئاته، إنما هو في مكان الصيرورة، بعد تكامل البيئات. ففي العروبة الراهنة، بيئات تستحق، أن تسمّى بيئات قومية عربية، ولكنها مصابة بالإحباط، ومصابون معها، لما نراه يجري بيننا.
اليوم فتحت علينا حرب جديد: يقولون بـ«أرض الصومال»، وتسارع إسرائيل للإعتراف بها، ويسارع القرن الإفريقي العربي للتصدّع، وتسارع بعض الشهوات والشهادات للإعتراف بها.
إنها لعمري فلسفة العبث التي تفتك بنا، وهل هناك أقسى من العبث الذي أصابنا منذ أول القرن، وأصاب بالتالي، قادتنا ورؤسائنا وقيادات كثيرة من أمتنا.
مرَّ هذا الإعتراف حين نقول: خابت آمالنا كلها، وهل كانت المرارة فقط، نتلمظها، حين تعلق في حلوقنا، كلمة صدئة بصفة كلمة «إنتصرنا»، هل كانت الحروب العبثية التي خضناها، إلّا من دروس فلسفة العبث، التي شكّلت عمق الأيديولوجيا التي تربّينا عليها.
فمتى نفك طلاسمها عنا؟ متى نعترف ونقول: خبنا وخابت آمالنا؟ متى نذهب إلى «كرسي الإعتراف»، أنفسنا بأنفسنا، ونوقف هذه المهذلة: أن يكون المرء منا دعي إنتصار، يتشدّق كل يوم بـ «إنتصرنا»، والهزيمة تحلّق بمسيّراتها فوقنا، وتلحقنا وتلاحقنا من زاوية إلى زاوية، وتستمر في ملاحقة أبنائنا وفلذات أكبادنا... وبدورنا وأقمارنا...
سألتكم... كفوا عن العبث بنا.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية