د. رشا أبو حيدر
يمثّل إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين لحظة مفصلية تكشف تحوّلًا خطيرًا في طبيعة التشريع داخل إسرائيل. فالدولة التي لطالما ادّعت التزامها "المعايير الدولية” اختارت أن تدخل رسميًا في دائرة القوانين التي تصطدم مباشرة بجوهر القانون الإنساني، وتحديدًا باتفاقيات جنيف التي تُعدّ الأساس القانوني لحماية الأسرى في النزاعات المسلحة.
لا يحتاج المتابع لجهد كبير كي يرى التناقض الفاضح بين القانون الجديد وبين النصوص الدولية الملزِمة. فالمادة 13 من اتفاقية جنيف الثالثة تشترط معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية وتحظر أي عمل يعرض حياتهم للخطر، فيما تنصّ المادة 130 من الاتفاقية نفسها بوضوح على أنّ "القتل العمد” للأسير يُعد انتهاكًا جسيمًا يرتقي إلى جريمة حرب. ومع هذا، يجعل التشريع الإسرائيلي من الإعدام عقوبة أساسية تُنفّذ خلال تسعين يومًا فقط من صدور الحكم، ما يفرغ حقّ الدفاع من مضمونه ويجعل المحاكمة أقرب إلى إجراء شكلي منه إلى منظومة عدالة.
ويتضح الخرق القانوني أكثر عند النظر إلى اتفاقية جنيف الرابعة، حيث تحظر المادة 32 القتل والمعاملة اللاإنسانية بحق المدنيين، وتدرج المادة 147 القتل العمد ضمن أخطر الانتهاكات. أما البروتوكول الإضافي الأول، الذي أصبح جزءًا من القانون الدولي العرفي، فيُلزم المحاكم باحترام الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة ويمنع تنفيذ الأحكام دون مراجعة قضائية مستقلة. كل هذه النصوص تُشكّل إطارًا قانونيًا راسخًا، غير أنّ التشريع الإسرائيلي يلتفّ عليها، ويمنح القضاة العسكريين صلاحية مميتة تُمارَس على شعب يقع تحت الاحتلال.
وعلى الصعيد السياسي، يظهر القانون امتدادًا لخطاب داخلي متطرّف يضغط لإنتاج "إنجازات” تُسوّق للشارع، حتى لو جاءت على حساب القانون الدولي وصورة إسرائيل الخارجية. المفارقة أنّ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسهاجيشًا وشاباكًاحذّرت من أنّ الإعدامات لن تحقق الردع، بل ستفتح الباب أمام تصعيد واسع، وستزيد التوتر داخل السجون، وقد تطيح بأي فرصة مستقبلية لصفقات التبادل. ومع ذلك، مضت الحكومة في الخيار الأكثر صدامية، لأن الهدف سياسي قبل أن يكون أمنيًا أو قانونيًا.
أما فلسطينيًا، فالقانون يحمل رسالة واضحة: إن المسألة ليست عدالة ولا محاسبة، بل إرادة في فرض القوة حتى نهاياتها القصوى. فالإعدام في سياق الاحتلال لا يُقرأ كحكم قضائي، بل كامتداد لسياسة تُشرعن العنف باسم القانون. وفي الوقت ذاته، يمنح هذا التشريع أدوات جديدة للمنظومة الدولية، سواء أمام مجلس حقوق الإنسان أو المحكمة الجنائية الدولية، حيث يصنَّف القتل العمد للأسرى ضمن جرائم الحرب وفق نظام روما الأساسي.
في النهاية، يبدو أن إسرائيل لم تُصدر قانونًا بقدر ما أصدرت اعترافًا. اعترافًا بأنّ قوتها لم تعد تُقاس بقدرتها على ضبط الأرض، بل بعقوبات تُنزلها على من يقعون في قبضتها. غير أنّ الدول لا تُبنى على الإعدامات، ولا تستقر على أحكام تصدر تحت ضجيج السياسة، وفهم هذه الحقيقة يجعل من القانون الذي يُشرّع القتل كشفًا لهشاشة الدولة نفسها.
وحين يُمنح الموت صفة "قانونية”، يبقى سؤال العدالة معلّقًا… لكنه لا يموت.