كانت مصر منذ محمد علي باشا، تنام على أمجادها: حرّة مستقلة من العثمانيين. ثم فاجأتها جيوش نابليون، وكذلك جيوش بريطانيا، فخرجت من الحربين مثقلة الجراح. غير أنها ظلت محافظة على حدودها، حتى دخلت في حرب إقليمية زعزعت الأرض تحتها، وخسرت بعدها السودان وسيناء وغزة.
وكانت سوريا ناعمة البال. كانت حدودها المرسومة، منذ سايكس - بيكو، في الحفظ والصون. وكانت الإنقلابات الداخلية وحدها، هي التي تشكّل عنصر إزعاج لها، وظلت أمورها جارية على هذا النسق من الهدوء والنظام، حتى إستجرت إلى حرب إقليمية، خسرت بها الحرب ومعها الجولان والقنيطرة.
وكان الأردن في أحسن الأحوال: تحته الضفة والبحر الميت والأغوار وإيلات والعقبة، حتى إنساق إلى حرب إقليمية، فخسر الضفة والأغوار والبحر الميت وإيلات وخليج العقبة.
وكان لبنان ينعم بالهدوء والسلام، يحفظ جيشه حدوده، وتحفظ الجندرمة أمن السكان، حتى وجد نفسه في حرب إقليمية، فخسر القرى السبع، وخسر الحدود الآمنة، وصار الجنوب عرضة لموجات النزوح، منه وإليه. فظهرت المخيمات في البلاد، وفقد الأمن والسلام.
خضعت هذه الدول لـ«قانون القوة»، بدل أن تخضع لقرارات وأحكام المنابر الدولية: مجلس الأمن والجمعية العمومية، والمحاكم الدولية، وما عادت هذه الدول، تستطيع أن تحفظ أمنها، ولا أن تحفظ سمائها، ولا أن تحفظ حدودها ولا أن تحفظ شعبها، صارت جميعها عرضة للمؤامرات الدولية، لأنها صارت ضعيفة للغاية، ولم تعد جيوشها تستطيع أن تحمي حدودها، صارت حدودها سائبة، فلا من رادع ولا من وازع، لأن قانون القوة، صار هو المسيطر، في غياب المنابر الدولية، وفي غياب القوانين الأخلاقية، وفي غياب العدالة الدولية.
شجعت مراكز القوى العالمية على الحروب، وعلى قانون القوة، أكثر مما كانت تشجع على الأمن والسلام والهدوء وطمأنينة الشعوب، فضخّوا الأموال العظيمة، وكذلك جميع أنواع الأسلحة، وصارت أرزاق الناس للنهب و للسرقة، وديارهم للخراب، وصار الناس للشتات.
اليوم يعود قانون القوة للظهور من جديد، وتعرض بلاد جديدة، مثل إيران وأفغانستان وباكستان للمحنة ذاتها، وتحضر دول أخرى، أن تكون سبية، في الخليج، وفيما وراء البحار وفيما وراء المحيطات، ولا تلوح في الأفق، أية بادرة من مراكز القوى، تدعو إلى وقف جنون قانون القوة، الذي لا يبقي ولا يذر.
إندلعت الحرب الأميركية - الإسرائيلية، على إيران اليوم بكل جنونها، وطالت الصواريخ لأول مرة دول الخليج كلها: مثل قطر والبحرين والكويت والعراق، بالإضافة إلى الأردن. واستجرت هذه الدول عمدا إلى الحرب. وستكون الفاتورة باهظة، على جميع دول العالم، نظرا لما ستجرّ هذه الحرب من تداعيات، على كل المستويات.
ويأتي تحرك مجلس الأمن الحاضر/ الغائب، ليظهر مدى إستهتار مراكز القوة به، وكأنه غير موجود، أو كأن المياه تجري من تحته. فهل صار العالم، مرشحا لحرب عالمية ثالثة؟ وهل صار لـ«قانون القوة» الكلمة الفصل، في مجريات الحرب الحاضرة؟
والسؤال الآن: هل عدنا مجدّدا لقانون شريعة الغاب، وأن الحكم في كل الأمور، إنما هو لأحكام قانون القوة؟
وأما جميع المراجع والمرجعيات الدولية، فلم تعد سوى بعض الوجوه، لبعض وجوه الدمى!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية