بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 تشرين الثاني 2025 12:00ص قد يجد اللبناني نفسه مفاوضاً انطلاقاً من الحدث الأمني في بليدا

حجم الخط
د. جيرار ديب

أرجأ المبعوث الأميركي، توم باراك، زيارته لبيروت الخميس 30 تشرين الأول، التي كانت مرتقبة، من دون أن يحدد موعداً جديداً.
وأشارت بعض المصادر المقرّبة منه، إلى إنّ أرجاء الزيارة يرتبط بالتقارير غير المشجعة التي وصلته، معلقاً إنه لا يرى ما يستحق النقاش الجديّ في بيروت.
«ليس من جديد» ما يستدعي حضور باراك إلى لبنان، وفقاً عبّر عن امتعاض أميركي، ترافق مع زيارة نائب المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، مورغان أورتاغوس، الثلاثاء 28 تشرين الأول الماضي، إلى بيروت ولقائها المسؤولين في لبنان بعيداً عن كاميرات الإعلام، حيث أوضحت عدم الرضى الأميركي عن أداء السياسيين اللبنانيين، وإن «صبر» الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ما يبدو بدأ ينفد.
لم يمضِ على اعتذار باراك ساعات، حتى استفاق لبنان على تطور أمني ارتكبه العدو الإسرائيلي في بلدة بليدا الحدودية، حيث دخلتها صباح الخميس 30 تشرين الأول، قوة عسكرية إسرائيلية واغتالت الموظف إبراهيم سلامة في مبنى البلدية.
حمل هذا الحدث أبعاداً ميدانية، لا سيما إن الذي اغتيل موظفاً في القطاع الرسمي وليس عنصراً من حزب الله، إضافة إلى استهداف مبنى رسمي وليس موقعاً عسكرياً للحزب. فالرسالة التي أراد إيصالها العدو هذه المرة، موجهة إلى الدولة اللبنانية، وتحمل تحذيراً واضحاً أنّ الحرب الرابعة لن توفر الدولة بمؤسساتها ومرافقها.
تلقّى قصر بعبدا الرسالة، حيث استدعى الرئيس اللبناني، جوزاف عون، قائد الجيش رودولف هيكل، طالباً منه التصدّي لأي محاولة إسرائيلية للتوغل باتجاه المناطق المحررة، واستقدم بالفعل الجيش تعزيزات جديدة إلى المناطق الجنوبية لمنع تكرار ما حدث في بليدا. كما وأوصى، الرئيس عون، أعضاء لجنة «الميكانيزم» بأن لا يتوقفوا عند تسجيل الوقائع بل العمل على وضع حدّ لها من خلال الضغط على إسرائيل ودفعها إلى التزام مدرجات اتفاق وقف إطلاق النار.
إن استقدام تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، والطلب «بنبرة تهديدية» من الذي صدر من قصر بعبدا إلى قيادة الجيش، حفّز كتلة حزب الله، الوفاء والمقاومة النيابية، إلى اصدار بياناً مؤيداً لموقف الرئيس عون وداعماً الجيش اللبناني في مهمة مواجهة العدو، ويوحي على هناك وحدة في التعاون والتنسيق بين الجيش وحزب الله. هذا ما أثار حفيظة دوائر القرار في واشنطن إذ عبّر عضو الكونغرس الأميركي، ليندسي غراهام، إن انضمام الجيش إلى حزب الله في قتال إسرائيل يعرقل جهود مساعدة لبنان.
كافة المعطيات تؤكّد أن الحرب قادمة إلى لبنان، وإن الأمور ذاهبة نحو مواجهة واسعة، فبحسب مصادر دبلوماسية أميركية رفيعة، تعتبر إن «لبنان أضاع فرصة الحل ويتجه نحو الأسوأ، وإن الجهود لانتشال لبنان من الانهيار بحوافز اقتصادية وسياسية باتت أمام حائط مسدود». فهل ستكون بليدا النافذة التي ستخرج منها حرب لبنان مع إسرائيل؟ أم لقرار رئيس البلاد قراءات وأبعاد؟
لا نقاش في وطنية رئيس البلاد، ولا شكّ إن الجيش اللبناني يقوم بمهام الحفاظ على الوطن والمواطن، لكنّ هناك من وضع قراءة أخرى تعتبر إن حادثة بليدا، ستكون النافذة نحو ذهاب الدولة إلى تسوية حدودية عبر التفاوض مع الإسرائيلي. فإن موقف رئيس البلاد، لا ينمّ عن حافز لمواجهة عسكرية، بقدر ما يحاكي المجتمع الدولي والعربي، موضحاً إن الجيش اللبناني على جهوزية كبيرة لبسط السيادة على أرض الجنوب فجلّ ما يحتاجه هو المزيد من الدعم. إذ ان قرار ردع المحتل من قبل الجيش، لا يعتبر حدثاً عابراً، بل استثنائياً ويجب التوقف عنده ودعمه على الأقل من قبل ممثلي لجنة الميكانيزم. فهل يجوز أن يعاني الجيش من نقص ألغام أميركية لتفجير ذخائر حزب الله التي يتمّ ضبطها؟
إن انتشار الجيش اللبناني بقوة على النقاط الأمامية الحدودية مع فلسطين المحتلة، لا يتعلق بوحدة المسار مع حزب الله بالوقوف الذي يرفض تسليم السلاح إلى المؤسسة العسكرية، رغم قرار الحكومة في 5 و7 آب الماضي القاضي بحصرية السلاح. فالجميع بات على دراية إن سلاح حزب الله الذي يتعرض يومياً لـ«استنزاف قاتل» من قبل العدو له مهمات لا تتوقف عند الدفاع عن الأرض، بل يجد فيه البعض ورقة في يد اللاعب الإيراني الذي يفاوض أعضاء لجنة الميكانيزم على ملفه النووي وعلى رفع العقوبات.
لهذا، فموقف رئيس البلاد لا يشكّل غطاءً سياسياً لواقع الحزب وسلاحه، إذ منذ خطاب القسم إلى اليوم والرئيس عون واضح في ما خصّ حصرية السلاح. ولكن ما حمل عليه أمر المواجهة ونشر الجيش يرتبط بتطبيق القرار رقم 1701، من خلال توكيل الجيش مهمة حماية السيادة والدفاع عن اللبناني دون سواه. لهذا فإن حادثة بليدا يجب التوقف عندها من قبل الدول المعنية، لأنّها قد تفتح الطريق نحو التفاوض وإرساء التسوية المنشودة، وتقتطع الطريق أمام الاصطياد في الماء العكر، فهل من يعتبر؟