د. جيرار ديب
أطلق الرئيس اللبناني، جوزاف عون، ليل ٢١ تشرين الثاني، من الجنوب رسالة إلى اللبنانيين بمناسبة ذكرى الـ82 للاستقلال، مبادرة حول مستقبل الحدود اللبنانية، ودور الدولة في بسط سيادتها، قائلاً إن هذه المبادرة هي برسم العالم.
هذا وكان عون قد تناول في كلمته نقاطاً رئيسية قرأ فيها البعض رسالة إلى الولايات المتحدة، التي تلقّفت الرسالة بعد قطيعة واضحة لزيارته الأخيرة إلى واشنطن، وألغت زيارة قائد الجيش بعدما كانت مدرجة على لائحة الزيارات في الدوائر الأميركية. لقد ذهب بعيداً في نقاطه لا سيما في ما يتعلق بمفهوم السيادة التي اعتبر أنها تعني بسط الدولة عبر مؤسساتها العسكرية والأمنية حضورها على كافة الأراضي اللبنانية، وفي طرح نقطة لا تقلّ في أهميتها عن السابقة، في الشأن التفاوضي لإنهاء حالة اللااستقرار والذهاب نحو بناء وإعمار هذا البلد.
ليس بمستغرب ما طرحه عون، إذ منذ خطاب القسم لم يغيّر في خطابه، لكنه كان يراعي فقط الواقع المفروض في ضوء اعتداءات إسرائيلية مستمرة حصدت مئات القتلى الجرحى إضافة إلى تثبيت مراكز ثابتة، ومسعى لاقتطاع أراضي لبنانية عبر بنائها الجدار العازل في مناطق جنوبية. أمام استمرارية رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن الحرب لم تنتهِ، وإن حلمه هو إقامة إسرائيل كبرى تتضمن أراضي لبنانية، وفي ظلّ غياب أي رادع حقيقي لإسرائيلي، أميركي كان أم غيره، يتساءل المتابع، هل جنح الرئيس العون في تفاؤله؟ أم إنّ جلّ ما يفعله هو رمي الكرة في الملعب الإسرائيلي؟
لا نقاش أن نتنياهو لا يسعى للسلام مع لبنان في المرحلة الحالية، هو الذي يستعد للتحضير إلى الانتخابات التشريعية المقبلة في 27 من تشرين الأول عام 2026، حيث أعلن الرجل مراراً وفي أكثر من حديث عن ترشحه. فنتنياهو، يعلم جيداً أن أي وقف للحرب والذهاب إلى تسويات في ساحات الحرب، يرتد على مستقبله السياسي، لا سيما وإن المحكمة العليا لم تتجاوب إلى الآن لمطالب ترامب بوقف محاسبة نتنياهو في الدعاوى المرفوعة ضده.
في الشكل هناك انتصاراً إسرائيلياً في أكثر من ساحة معركة، وهناك تراجعاً واضحاً لقوى الممانعة المرتبطة بطهران، ولكن في المضمون لن يستطيع نتنياهو استثمار الحالة الواقعية التي تشكّل المشهد الحالي، لهذا من المنطقي الاستمرار في حروبه، إلّا أنّ يتمّ سحب سلاح حركة حماس في غزة. وأما في لبنان، فمشهدية السلاح تتأرجح بين الضغوط العسكرية المستمرة عبر تنفيذ الضربات الجوية التي ترفع من نسبة الاغتيالات لعناصر حزب الله. وبين ممارسة الضغوط الدبلوماسية المتمثلة في المواقف الأميركية الصارمة في شأن حصرية السلاح، وفي المواقف الاقليمية والعربية التي تربط موضوع إعادة الإعمار والاستثمار في لبنان بموضوع سحب السلاح من الحزب.
شدّد عون أن الحلّ مرتبط بالإطار الدبلوماسي، وإن تسليم الحزب سلاحه يجب أن يترافق مع وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من النقاط التي تحتلها في لبنان. إذ ذهب البعض إلى اعتباره مراهنته على نجاح الدبلوماسية ليس سوى حلماً سوريالياً غير قابل للتطبيق، وإن الإسرائيلي حتى لو سحب السلاح ليس من ضامن لإعادة اعتداءاتها أو توسيع جغرافية دولته، لهذا يخرج حزب الله ببياناته التي كانت آخرها، تلك الرسالة التي بعث بها إلى الرؤساء الثلاثة تتضمن «لاءاته» في سحب السلاح وفي التفاوض مع الإسرائيلي لا مباشراً ولا غير مباشر.
إن الداخل في لبنان يعيش حالة انقسامية عامودية حول لاءات الحزب، وهناك أفرقاء ذهبت بعيداً في مطالبتها الحكومة اللبنانية بالتفاوض مباشرة مع الإسرائيلي للتوصل إلى تسوية نهائية ووقف الحرب. وهذه الفئة نفسها من تحمل لواء المطالبة بضرورة قيام الجيش بواجباته وسحب السلاح حتى من المنازل. هذه المطالب التي تترافق مع رفض عربي ودولي بالوقوف إلى جانب لبنان إلّا بعد تنفيذ مقررات مجلس الوزراء الصادرة في 5 و7 آب الماضي، وهذا ما يضع لبنان في موقف «المتردد» في معالجة قضاياه، ويضعف من موقع الرئاسة ما يجعل من العدو الإسرائيلي يراهن أكثر على حرب أهلية لبنانية كفيلة بتحقيق مطالبه دون الحاجة إلى خوض حرب كبرى أو مركزة لأيام.
لن تستطيع المواجهة العسكرية من تحقيق المكاسب في طاولة المفاوضات، مهما أخبرنا الأمين العام للحزب نعيم قاسم عن إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، ومهما كانت دعوات الرئيس عون إلى الجيش اللبناني بضرورة التصدي لأي عدوان. لكن ما قد لا ينجح في الحرب قد تحققه الدبلوماسية لا سيما إن اعتمدت على حلفائها الخليجيين في ممارسة المزيد الضغوط على الإدارة الأميركية في ما يتعلق بشأن السلاح وإعادة تموضع للجيش اللبناني.
إن دور دول الخليج تحديداً دولة قطر والمملكة العربية فاعلاً ومؤثراً في دوائر القرار في البيت الأبيض، وهذا ما تجلّى مع قطر التي قدمت لها إسرائيل اعتذاراً علنياً على تنفيذ ضربات في العمق القطري، وما أظهره اللقاء الأخير لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في زيارته الأخيرة لواشنطن من أن الموقف العربي تخطّى الصراع غير الأساسي مع الدولة الإسرائيلية، ليفرض مطالبه في الصراع الأساسي مع البيت الأبيض. فأمام سوريالية الكلمة والواقع المعقّد، هل يذهب عون إلى الضمانة العربية لتحويل السوريالية إلى واقعية؟ أم لإيران عبر حزب الله استراتيجية مختلفة وصراع طويل طالما لم تتحدد التسوية بينها وبين الغرب؟