بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 شباط 2024 12:08ص كيف تعزّز مفاهيم «الأُمَّة» اللبنانيّة؟!!!

حجم الخط
من ضمن ما تعلّمه الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الإسراء والمعراج رسم مسار جديد خارج إطار صندوق حزن الإضطهاد والظلم والحصار و... كيفيّة ربط مهمته الرساليّة المقدّسة بسياق عالمي وكوني تتطلّبه هذه الرسالة. انطلق بعدها في بناء مفاهيم حضارة إنسانيّة جديدة في «الهجرة» التاريخيّة من مكة الى يثرب. البداية مع استعمال مصطلح «المدينة المنورة» ليحلّ مكان اسم يثرب، مع ما يعنيه هذا المصطلح من الإنتقال من «الفكر الآحادي» الي «الفكر المدني المتنوع»، رَبَط هذا المصطلح مع مُصطلح «الأمة» الذي نص عليه دستور صحيفة المدينة الجامعة الذي أقرّه كوثيقة قِيَميّة تجمع التنوّع بكافة اتجاهاته بعيداً عن الإنقسامات العصبية وساديّة النزاعات المعتادة. أصرّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) خلالها على تطبيق مبدأ الشورى ليكون انتخابه وفقاً لمبدأ مدني خاص بهذه المصطلحات ومعاييرها لا بالتعيين الإلهي.
«الأُمة» مولود إجتماعي، سياسي وقِيَمي يعبّر عن مواطنين يعيشون في حيّز جغرافي معيّن من مسلمين بتنوّعهم القبلي والمناطقي والأثني، وغير مسلمين من يهود ومسيحيين وغيرهم، يزيل مفهوم «الأُمة» الفوارق العصبيّة ويُغنيها بذوبان الفوارق الدينيّة والقبليّة والأثنيّة. لتكون هذه المصطلحات الثوريّة أساس خطاب سياسي تغييري جديد ساهمت بقوة كل مكوناته في الدفاع عنه وتثبيته وتطويره. هي بمثابة قطع ووصل مع تاريخ ذكريات الحروب الداخليّة وتناقضات لا تُعدّ ولا تحصى كانت سائدة قبل هذه المرحلة. هي مشروع جديد يختلف عن كل ما سبقه يمثله إنسان ثلاثي الأبعاد يخترق الأزمنة وأنظمة الحكم، ليساهم بأعجوبة التخلص من قبليّة الثارات والإنتقام وساديّة التعصب المتبادل المرتبط بقوة الخارج...
مصطلح «المدينة المنورة» كمصطلح جغرافي لطيف يستوعب الجميع وربطه بتسميّة من هم بداخل المدينة بالأمة لتغني تعريف هذا المكان، وليكون هذا الأسم الجديد مرتكز تجاوز الذاكرة السلبيّة، معيدًا تعريف العلاقات بين «الناس بتنوعهم» لصناعة اعجوبة هذا الجديد «أُمَّةَ المدنية المنيرة». 
أخذت بعدها سريعاً قوة ترابط التوحيد الحضاري الداخلي وجسدها الواحد السليم شكل قوة خارجيّة هادرة باتجاه «فتح مكة»، لتتحول «مكة» الى مركز روحي يتولى استقبال كل التنوعات البشريّة بهدف نشر مفاهيم «المدنيّة المنورة» و«الأُمة» في كافة أقطار المعمورة. لتنطلق هذه الأُمة الواحدة ومدنيتها المتنوعة بفعل حضاري وإنساني قِيَمي منير وبنّاء هو الأول من نوعه في التاريخ الإنساني القديم والحديث.
تحوّل مفهوم «الأمة» الى مكوّن جيني راسخ في الوعي السياسي، استمر لأكثر من 1300 سنة. ولم يكن يعني أن الخليفة هو من يحكم كل الأرض التي يتواجد عليها المسلمون كما يظن الكثيرون، فهناك عشرات الدول ولكل منها خاصية مدنيتها تتعاطى من خلالها مع سلطة المركز. رفض الوعي العام تَقَبُل بأن تكون الأمة من غير خلافة لا يعني بالضرورة حكم الخلافة لكل شبر من أراضي المسلمين.
فهجرات ابن بطوطة وأبن خلدون وغيرهم الكثير من المفكرين تؤكد وجود عشرات الإمارات والسلاطين من أوروبا وصولاً الى الهند والصين، كان يُنْظَر اليهم أينما حَلوا بأبناء «الأُمة». بالتالي «الأُمة» أعلى مرتبة من الدولة، هي مكان متسع جدًا يتحرك ويتفاعل فيه الناس بحريّة. فمرة نجد ابن بطوطة سفيراً للصين في الهند ومن ثم قاضياً في المالديف، يتنقل ابن خلدون ما بين المغرب والأندلس ليصبح وزيراً في مصر قبل أن ينتقل الى الشام، وينتقل الأمام الشافعي من العراق الى مصر، ويأخذ الجميع الفكر والعلم من الإمام البخاري من دون أن يُسأل عن اثنيته وأصوله القوميّة، ويَتبِّع الأتراك مذهب الإمام أبي حنيفة الفارسي، ولا يعني لأي كان أصول صلاح الدين الأيوبي أو... فالأساس هو مفتاح الفكر والقيم ووسطيّة فضاء «الأُمة» الشاسع المستوعب والحاضن للجميع. ولأي كان حرية الإنتقال والإستقرار دون قيود، ولا بأس بعد ذلك بتنوع الأنظمة السياسيّة تحت سقف هذا الفضاء الواسع...
فالوعي الأول لمفهوم «الأٌمة» مرتبط بحركة الناس دون قيود، والوعي الثاني يتجلى في حركة «الأفكار» دون خوف، يتلقى الجميع علومهم من خزان هائل من الأفكار والتصورات بغض النظر عن منشأها. مع الإحتفاظ بمنطقيّة الدول والإمارات القائمة والتنوع المدني الخاص بكل منها، فالأفكار وتزاوجها وتطبيقها يجب أن تبقى عابرة لكل حدود هذه الكيانات السياسيّة وخصوصيّة مدنيتها.
إذاً ما هو قائم حالياً مخالف لتراث «الأُمة» لجهة الفكر الآحادي، محاصرة الفكر وحريّة التنقل وصولاً لشيوع حرمة قدسية الحكام!!! الأصول القوميّة وعناوينها مستجدة ولم تكن مهمة في المرحلة التي سبقت الإستعمار. المشكلة ليست بوجود العديد من الدول طالما أن مفهوم الأُمة ووعيها كمخزون مرتبط بالبشر أعلى بكثير من هذه الدول، وبأن لا يَجرؤ أي حاكم أو سلطان على مخالفة هذا المفهوم.
يحق للدولة أن تفعل ما تشاء في خاصيّة نطاقها الجغرافي المدني، ولكنها تستشير علماء الأمة الكبار وتأخذ أحكامهم بعين الاعتبار كما حصل عندما رضخ المماليك لفتوى العز بن عبد السلام بعد أن سانده شعب مصر، ليتنازل المماليك عن ممتلكاتهم الخاصة قبل فرض ضرائب جديدة على المصريين. أما وقوع الظلم على أحد ما فيستلزم مناصره الآخرين نتيجة الترابط الوجداني للأمة الواحدة... ولكن... انقطعت هذه الحالة منذ مئة سنة أي في مرحلة الحرب العالميّة الأولى وما تلاها.
من هنا نجد أن مصطلحات «المدينة كنطاق جغرافي منير» لا يتعارض مع خاصيّة الكيانيّة اللبنانيّة، طالما أن مدنيّتها تستوعب الجميع. أما مصطلح «الأُمة» بمستواه الداخلي فهو حاجة تتطلب تفاعل المواطنون بتنوعهم الطائفي والمناطقي تحت سقف قيم العدالة الدستوريّة. فالمطلوب هو عدم الإنسياق وراء تطرف التقوقعات الطائفيّة والمناطقيّة، أو وراء الدعوات التي تتكلم بأن الأساس هو إلغاء الدولة الحديثة وخاصيتها، بل على العكس فالأساس يتطلب استيعاب منطقيّة «المدينة المنورة» ودستوريّة صحيفة «الأمة» لتكون العدالة والإنصاف هي أساس مشروع الدولة الدستوريّة الراعيّة الحاليّة. ثم العمل على تحويل لبنان الى كيان رسالي ناجح يتفاعل إيجابياً مع مفهوم «الأُمة» ضمن الكيانيّة اللبنانيّة ومن ثم التلاقي مع مفهوم أوسع لتحقيق المصالح المشتركة في محيطنا العربي والإسلامي والعالمي.
البحث عن أطر تكامليّة لمجموعة من الدول أساسي في لغة العصر كما في مفهوم «الأُمة» فكلاهما يحقق المصلحة وينهض بالمجتمعات الإنسانيّة. مفاهيم «المدنيّة المنيرة» - «الأمة» تتطلب بناء مؤسساتي يحرك ويستثمر بالطاقات الداخليّة الهادرة ضمن البقعة الجغرافيّة أي الوطن، تتكامل مع مشروع فضاء «الأُمة» في الداخل المرتبطة بميثاقيّة مقدمة الدستور اللبناني، ومن ثم الفضاء الأوسع فالأشمل في المنطقة والعالم ليحقق المصلحة المشتركة ضمن منطقيّة الشراكة الفاعلة المنيرة لا التبعيّة الجاهلة العمياء لهنا وهناك. تحتاج دولنا كما كل مشاريع الترابط العالمي الى من يمتلك الثروة والى من يمتلك الخزان الديمغرافي والعمق الجغرافي. كما تحتاج الى الرؤيّة المؤسساتيّة الحديثة على كل المستويات ومن ضمنها تحقيق قوة عسكريّة تحمي وتدافع عن هذا المشروع وتمنع تحوله الى مجرد أداة رخيصة من أدوات المشاريع العسكريّة بفكر أحادي دكتاتوري قومي أو طائفي مخالف لمفهومي «المدنيّة والأُمة».
لا يمكن لدولة صغيرة مثل لبنان أو حتى لدولة كبرى في دول المنطقة أن تؤمّن المعطيات الحضاريّة والعصريّة لوحدها. نحتاج جميعاً الى نموذج تكاملي حقيقي يحفظ الخاصيّة والحريات، يؤسس على قواعد المصلحة المشتركة ويستند الى لحمة ثقافيّة وفكريّة وحضاريّة. الإنتماء العفوي لأبناء هذه المنطقة مفيد في رفع مستوى تماسكها الإنساني والقيمي ومواجهة كل المؤامرات.
يحترم المشروع العصري التنوّع في الكيانات، ويسعى بنفس الوقت لبناء كتل متماسكة اقتصادياً ومتكاملة سياسياً وفق مصلحة اقتصاديّة وجيوسياسيّة وتكون محميّة عسكرياً من أي خطر أو تدخل خارجي.
ومن أدوات هذا العصر تشكيل الاتحادات وتشكيل منظمات جامعة للدول كما هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي وغيره. لم تستطع المنظمات السابقة في عالمنا بناء هذا التكامل الجامع لأسباب عديدة أهمها أنها انطلقت من فوق الى تحت، في حين أن المطلوب حالياً البناء من تحت لفوق بعيداً عن المزاجيّة والعاطفة وإيغو الحكام. إمكانيّة البناء المؤسساتي على أسس متينة تسمح بالتطور اللاحق عبر الزمن، المهم هو البناء بتقانة وبثبات مع المحافظة على بوصلة مصلحة كل الشعوب.
مفاهيم «المدنيّة المنورة - الأمة» هي النقيض الأساسي للعنصريّة الساديّة وعلى رأسها العنصريّة الصهيونيّة المحتلة لفلسطين وعقول الكثيرين. يُسَرع إجرام الكيان الصهيوني في غزة إنهيار القيم الغربيّة على المستوى الأخلاقي، المنهجي، الإستراتيجي والعسكري. هذا الكيان فَقدَ وظيفته ولا مستقبل له في المنطقة، وُجِدَ بناء على تسويات خارجيّة بعد الحرب العالميّة لتبعده عنها ويخدم مصلحتها بتفتيتنا. هو مرتبط بنظام دولي بدأ بمرحلة إعادة التشكل من جديد. ومن الطبيعي أن لا يتقبل هذا الكيان الهجين فكرة أن يصبح جزء من منطقتنا. سيتوقف سعي هذا الكيان الغريب لتفتيت جسد المنطقة الكبير عاجلًا أم آجلًا، وستلتئم جروح «الأمة» ويقوى عودها وستستعيد عافيتها لتلفظ هذا الشيء الغريب.
هناك حاجة ملحّة للإستعداد للمرحلة القادمة فالصراع العالمي وإعادة تشكيل العالم الجديد انطلقت بقوة، وعلينا إعادة إحياء مفهوم «الأُمة ومدنيتها المنورة» على المستويين الداخلي في «كيان لبناني رسالي» كما في موقع ودور لبنان على مستوى المنطقة والعالم. المطلوب أن ننجح بإعادة تنظيم أنفسنا وبناء دولنا من الداخل والخارج ككيانات مؤسساتيّة تكامليّة تعمل مع بعضها البعض لتصنع حياة تليق بمستقبل أبنائها.