إذا افترضنا، جدلًا، أن إسرائيل مضت في خيار احتلال جنوب لبنان وضمّه إلى كيانها، فإن المسألة لن تبقى حدودية أو عسكرية فحسب، بل ستتحوّل إلى نقطة انعطاف وجودية تمسّ الكيان اللبناني برمّته، دولةً ومجتمعًا واقتصادًا.
أول ما يبرز في هذا السياق هو احتمال الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد، حيث لن يمرّ أي احتلال أو ضمّ من دون مقاومة. وعليه، قد يتحوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فيما يتكرّس واقع انقسام فعلي داخل البلاد: مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، وأخرى تعيش تحت وطأة التهديد المستمر، ما يعيد إنتاج مشهد التفكك الذي عرفه لبنان في مراحل سابقة من تاريخه. لذلك علينا مؤازرة الشرعية لمنع هذا المشهد من الحدوث.
في موازاة ذلك، سيؤدي وادى الاحتلال إلى موجات نزوح واسعة من الجنوب نحو بيروت وجبل لبنان والمناطق الأكثر أمانًا نسبيًا. هذا النزوح لن يكون مجرّد حركة سكانية، بل سيشكّل ضغطًا هائلًا على البنى التحتية والخدمات العامة، من سكن وتعليم وصحة، في بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي عميق. وهنا، قد تتفاقم التوترات الاجتماعية وتزداد حدّة التنافس على الموارد المحدودة.
أما على مستوى الدولة، فإن فقدان جزء من الأراضي سيُترجم تلقائيًا بمزيد من تآكل الشرعية والسيادة. سيتعزز الانطباع بأن الدولة عاجزة عن حماية حدودها، ما يفتح الباب أمام صعود أكبر للقوى غير الرسمية، وتكريس معادلات أمنية موازية خارج إطار المؤسسات الدستورية. الا اذا تمكنت الدولة الشرعية من احباط مثل هذه القوى من الصعود.
اقتصاديًا، ستكون التداعيات قاسية. فالجنوب ليس مجرد جغرافيا حدودية، بل هو مساحة زراعية وإنتاجية، كما أن أي تصعيد سيقضي على ما تبقى من ثقة بالاقتصاد اللبناني. الاستثمارات ستتراجع، السياحة ستنكمش أكثر، وكلفة المخاطر سترتفع إلى مستويات قد تجعل أي محاولة للنهوض شبه مستحيلة في المدى المنظور.
في المقابل، قد نشهد حراكًا دوليًا يسعى إلى احتواء الوضع من خلال ترتيبات مؤقتة: مناطق عازلة، تعزيز دور قوات دولية، أو مفاوضات طويلة. غير أن التجربة تُظهر أن "المؤقت” في منطقتنا غالبًا ما يتحوّل إلى دائم، ما يعني تثبيت واقع غير مستقر لسنوات طويلة لذا على الدولة تكثيف المساعي الدبلوماسية مع الدول المؤثرة للمساعدة الفعلية في جلب قوات دولية مع صلاحيات فاعلة.
داخليًا، سيؤدي هذا التحوّل إلى انقسامات سياسية أعمق حول سبل المواجهة: بين من يدعو إلى التصعيد والمقاومة، ومن يراهن على التدويل، ومن يطالب بإعادة تعريف موقع لبنان الإقليمي. هذه التباينات قد تعيد إحياء خطوط التوتر التقليدية، وربما تفتح الباب أمام تصدّعات جديدة في البنية الوطنية لا سمح الله.
ولا يمكن استبعاد سيناريو توسّع المواجهة إلى نزاع إقليمي أوسع، حيث يتحوّل لبنان إلى ساحة ضمن صراع أكبر، تتداخل فيه حسابات قوى إقليمية ودولية، بما يتجاوز بكثير حدود الجنوب.
في المقابل، يبقى احتمال أن يؤدي الضغط الدولي والسياسي إلى إجهاض أي محاولة ضمّ أو فرض تراجع عنها قائمًا، لكن حتى في هذه الحالة، فإن الأضرار البشرية والعمرانية والاقتصادية قد تكون عميقة وطويلة الأمد.
الخلاصة أن احتلال الجنوب وضمّه، إن حصل لا سمح الله، لن يكون حدثًا موضعيًا، بل زلزالًا بنيويًا يعيد تشكيل لبنان: في ديمغرافيته، واقتصاده، ونظامه السياسي، وحتى في تعريفه لذاته وسيادته. إنها لحظة قد تدفع البلاد إما نحو مزيد من التفكك، أو نحو إعادة صياغة شاملة لكيانها—ولكن بثمن باهظ في كل الأحوال.