د مهى محمّد مراد
في بلدٍ تتراكمُ فيه الأزماتُ وتتقاطعُ فيه السياسة معَ الاقتصاد والمعيشة، لم يعدِ الرأيُ العام ترفًا فكريًا أو مجرّد انعكاسٍ لمزاج الناس، بل بات أحد المفاتيح القليلة المتاحة لإحداث التغيير… فهل يمتلك اللبنانيّون اليوم القدرة على تحويل غضبهم إلى قوّة ضغط فعّالة؟
من المُتعارف، أنّ الرأيَ العام في المجتمعات الديمقراطية، يشكّل ركيزةً أساسيّة في توجيه القرار السياسيّ، وقد اعتبر الفيلسوف الألمانيّ «يورغن هابرماس» أنّ "الفضاء العام” هو المجال الذي تتكوّن فيه الآراء عبر النقاش الحر والعقلاني، غير أنّ هذا الفضاء في لبنانَ يبدو مثقلًا بالانقسامات البنيوية، ما يحدّ من قدرته على إنتاج رأي عام موحّد وقادر على التأثير.
فقد شكّلت انتفاضة 17 تشرين 2019 محطّة مفصليّة في تاريخ الرأي العام اللبنانيّ، حيث نزل مئاتُ الآلاف إلى الشوارع في مختلف المناطق، في مشهدٍ عابرٍ للطوائف والمناطق. وقدّرت جهاتٌ محليّة ودوليّة أنّ حجم المشاركة بلغ مئات الآلاف في ذروة التحركات، رافعين شعاراتٍ موحّدةً ضدّ الفساد والانهيار. إلّا أنّ هذا الزخم، على أهميّته، لم يُترجَمْ إلى تغيير سياسيّ مستدام، ما يعكس فجوة مزمنة بين التعبير الشعبي والقدرة على التنظيم والتأثير المؤسسي.
بالتوازي، يتأثر الرأيُ العام في لبنانَ بعواملَ فكريةٍ وثقافيةٍ متشابكة، في مقدمتها النظام التعليمي، والخطاب الإعلامي، والبنية الطائفية. ووفقًا لتقارير البنك الدولي، يُعدّ الانهيار الاقتصاديّ الذي بدأ عام 2019 من بين الأشدّ عالميًا منذ أكثر من قرن، إذ فقدتِ الليرةُ اللبنانية أكثرَ من 90% من قيمتها، فيما ارتفعت معدلاتُ الفقر لتشمل ما يزيد عن 70% من السكان. وهذه المؤشرات لا تعكس فقط واقعًا اقتصاديًا قاسيًا، بل تعيد أيضًا تشكيل أولويات الرأي العام، حيث تتقدّم القضايا المعيشية على غيرها من الملفات.
من جهة أخرى، يلعب الإعلام دورًا مركزيًا في تشكيل الوعي العام، غير أنّ ارتباطَ عدد كبير من الوسائل الإعلامية بجهات سياسية يجعلها في كثير من الأحيان جزءًا من الاستقطاب بدل أن تكونَ منصّةً للنقاش، وقد حذّرت تقاريرُ صادرة عن منظمة «مراسلون بلا حدود» من تراجع حريّة الإعلام وارتفاع مستوى المعلومات المضلِلة، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يُضعِف قدرة المواطنين على تكوين مواقف قائمة على معطيات دقيقة. أمّا في ما يتعلق بقياس اتجاهات الرأي العام، فتبرز الانتخابات كأحد أهمّ المؤشرات، وقد أظهرت الانتخابات النيابية اللبنانية 2022 تحوّلًا نسبيًا، معَ وصول عدد من النواب المنبثقين عن الحراك المدنيّ إلى البرلمان، في اختراق محدود للطبقة السياسية التقليدية. ورغم أن هذا التغيير لم يُحدث انقلابًا في موازين القوى، إلا أنّه يعكس بداية تشكّلٍ لوعيٍ سياسيّ مختلف لدى شريحة من اللبنانيين. في هذا السياق، يبرز دور قادة الرأي من أكاديميين وإعلاميين وناشطين، بوصفهم حلقةَ وصلٍ بين المعرفة والرأي العام، فهؤلاء يملكون القدرة على تبسيط القضايا المعقّدة، وتقديم قراءات نقدية، والمساهمة في توجيه النقاش العام بعيدًا من الشعبوية. وقد أظهرت تجاربُ الإعلام المستقلّ في السنوات الأخيرة إمكانيّة خلق مساحات أكثر توازنًا، رغم محدودية الإمكانات.
ولا يمكن إغفالُ تأثير القوى الضاغطة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو خارجية، ففي لبنانَ، يتقاطع الداخليّ معَ الإقليميّ بشكل دائم، ما يجعل الرأيَ العام عرضةً لتأثيراتٍ متعدّدة، ويعقّد عملية تكوين موقف وطنيّ مستقل. وغالبًا ما تنعكس هذه التأثيرات في الخطاب العام وفي أولويات النقاش، من القضايا الاقتصادية إلى الخِيارات السياسية الكبرى. في المحصّلة، لا يبدو أن أزمةَ لبنانَ تكمنُ فقط في غياب الحلول، بل في ضعف القدرة على تحويل الرأي العام إلى قوّة منظّمة ومستدامة، وبين شارعٍ يثور عند كلّ أزمة، وصندوق اقتراع يعكس جزئيًا هذا الغضب، يبقى التحدي الحقيقيّ في بناء رأي عام واعٍ، قادرٍ على الاستمرار، وعلى فرض مخرجٍ إصلاحي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.