20 شباط 2026 12:00ص لبنان ليس ساحة انتظار: القرار الوطني لا يُؤجَّل على إيقاع الخارج

حجم الخط
د. محمد دوغان

يعيش لبنان منذ عقود في قلب تقاطعات إقليمية ودولية معقّدة، جعلت من ساحته السياسية مرآةً لصراعات الخارج أكثر مما هي تعبيرٌ صادق عن توازناته الداخلية. ولم يعد خافياً أن جزءاً غير يسير من الطبقة السياسية بات يربط استحقاقاته الدستورية ومواقفه السيادية بإيقاع التحولات في المنطقة، ترقّباً للتسويات تارةً، أو انتظاراً لانعكاسات الصراعات طوراً، حتى غدا القرار الوطني في كثير من محطاته أسير حسابات لا تُصنع في بيروت.
إنّ الحديث المتنامي عن مساعٍ لتأجيل الانتخابات النيابية، بذريعة الظروف الإقليمية أو بناءً على رغبات خارجية، يشكّل مؤشراً بالغ الخطورة على مستوى الممارسة الدستورية. فالانتخابات ليست تفصيلاً إجرائياً يمكن ترحيله، بل هي جوهر الشرعية الشعبية ومصدر تجديد الحياة السياسية، وأيّ ربطٍ لها بمشيئة الخارج يضرب مبدأ السيادة في عمقه، ويكرّس عرفاً خطيراً مفاده أن الاستحقاقات اللبنانية تُدار بانتظار الضوء الأخضر الإقليمي.
لا خلاف بين اللبنانيين على عروبة لبنان هويةً وانتماءً، فهي حقيقة تاريخية وثقافية راسخة، وليست موضع نزاع. غير أنّ الإشكالية تكمن في تحويل هذه العروبة من خيار وطني داخلي حرّ إلى أداة اصطفاف في محاور إقليمية، أو إلى غطاءٍ لتدخّلات تملي على اللبنانيين اتجاهات سياساتهم وتحالفاتهم. فلبنان العربي لا يعني لبنان التابع، كما أنّ الانفتاح على العمق العربي لا يبرّر الارتهان لإرادات الدول، أيّاً تكن شقيقة أو صديقة.
والأخطر من ذلك هو انزلاق بعض القوى إلى مشاريع مذهبية عابرة للحدود، تنتظر دعماً من هذه الدولة أو تلك لتعزيز موقع طائفة على حساب أخرى. إنّ هذا المسار لا يهدّد التوازن الداخلي فحسب، بل يضرب فكرة الدولة نفسها، إذ يحوّلها إلى ساحة نفوذ متنازع عليها، لا إلى إطار جامع لمواطنيها.
من هنا تكتسب المقولة:
«لقد أخطأنا وأخطأ كلٌّ منا بالاستعانة بالخارج، فأما استعانتنا بالصديق فخطأ، وأما استعانة غيرنا بالعدو فخطيئة، فلنُقلع جميعاً عن ذلك لنبني علاقة داخلية على قاعدة وطنية لبنانية سليمة في منطلقها عروبة لبنان، كخيار داخلي لا كتعريب خارجي تمليه نسبة قوى إقليمية قد تختلّ فتختلّ معها العروبة»، بُعداً تأسيسياً يتجاوز البُعد النقدي إلى طرح رؤية إنقاذيه. فهي دعوة صريحة إلى مراجعة جماعية، تعترف بأن الارتهان، مهما اختلفت تسمياته، يبقى خطأً استراتيجياً يضعف الداخل ويقوّي الخارج.
إنّ بناء علاقة داخلية سليمة يقتضي أولاً إعادة الاعتبار لفكرة «لبنان أولاً» بوصفها مبدأ سيادياً لا شعاراً ظرفياً. ويقتضي ثانياً تحصين الاستحقاقات الدستورية من أي تدخل، وثالثاً إنتاج طبقة سياسية تقرأ التحوّلات الإقليمية من موقع حماية المصلحة الوطنية لا من زاوية توظيفها في الصراعات الداخلية.
لبنان لا يستطيع أن يعزل نفسه عن محيطه، لكنه في المقابل لا يستطيع أن يبني استقراره على إيقاع تسويات الآخرين. فالدول التي تربط مصيرها بالخارج تفقد قدرتها على المبادرة، وتتحوّل إلى ساحات انتظار. أما الدول التي تنطلق من قرارها الذاتي، فحتى علاقاتها الخارجية تصبح أكثر توازناً واحتراماً.
إنّ اللحظة الراهنة، بما تحمله من ضغوط وتحوّلات، تفرض على اللبنانيين - سلطةً وقوىً سياسيةً ونخباً - أن يحسموا خيارهم: إما دولة تُدار من الداخل ولو بتسويات مؤلمة، وإما ساحة تُدار من الخارج ولو باستقرارٍ هشّ. وبين الخيارين، يبقى الرهان على وعي وطني يعيد تثبيت البوصلة حيث يجب أن تكون: في مصلحة لبنان أولاً وأخيراً.