د. محمد دوغان
في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات اللبنانية–الإيرانية، أعلنت الدولة اللبنانية السفير الإيراني في بيروت شخصاً غير مرغوب فيه، مستندة إلى أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وطلبت منه مغادرة الأراضي اللبنانية ضمن مهلة محددة. غير أن هذا القرار، على أهميته القانونية، يتجاوز في مضمونه الإطار الدبلوماسي ليشكّل حدثاً سياسياً بامتياز، يعكس تحوّلاً عميقاً في موقع لبنان داخل خريطة الصراع الإقليمي.
فالقرار لم يأتِ في ظرف عادي، بل في لحظة اشتعال إقليمي غير مسبوق، حيث تحوّلت المواجهة بين إيران وخصومها إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات، كان للبنان نصيب مباشر منها بعد دخول حزب الله إلى المعركة إلى جانب طهران. ومن هنا، فإن طرد السفير الإيراني لا يمكن قراءته إلا كرسالة سياسية حادة تقول إن الدولة اللبنانية تحاول، ولو متأخرة، إعادة رسم حدودها السيادية في مواجهة واقع فرضته توازنات السلاح والنفوذ.
عملياً، يشكّل إعلان السفير الإيراني شخصاً غير مرغوباً فيه (Persona Non Grata) أعلى درجات الاحتجاج الدبلوماسي التي يمكن أن تلجأ إليها دولة دون قطع العلاقات بالكامل. وهو، في السياق اللبناني، يكتسب دلالة مضاعفة: فهو ليس فقط اعتراضاً على سلوك دبلوماسي، بل اعتراض ضمني على دور سياسي–أمني يتجاوز قواعد العمل الدبلوماسي التقليدي، في لحظة بات فيها لبنان ساحة متقدمة في الصراع بين المحاور. لكن المفارقة أن هذا القرار يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار صعب. فمن جهة، هو إعلان صريح بأن لبنان الرسمي لا يريد أن يكون جزءاً من الحرب التي يخوضها حزب الله إلى جانب إيران. ومن جهة أخرى، يطرح سؤالاً وجودياً حول قدرة الدولة على ترجمة هذا الموقف سياسياً وأمنياً في ظل استمرار واقع السلاح خارج إطارها.
بعبارة أكثر وضوحاً: هل يشكّل طرد السفير الإيراني بداية مسار سيادي فعلي، أم أنه خطوة رمزية في مواجهة واقع ميداني لا تزال الدولة عاجزة عن تغييره؟
إقليمياً، سيُقرأ القرار اللبناني على أنه انزياح – ولو محدود – عن محور إيران، ومحاولة لإعادة التموضع ضمن هامش توازن جديد يخفف من كلفة الانخراط في الحرب. أما دولياً، فقد يُنظر إليه كإشارة إيجابية إلى استعداد لبنان الرسمي للفصل بين مؤسسات الدولة وخيارات القوى غير الرسمية، في لحظة يسعى فيها المجتمع الدولي إلى احتواء توسّع الصراع.
غير أن كلفة هذه الخطوة قد تكون مرتفعة، فالعرف الدبلوماسي قائم على مبدأ المعاملة بالمثل، ما يعني أن طهران قد ترد بإجراءات مماثلة، أو بتصعيد سياسي ينعكس على الداخل اللبناني. كما أن القرار قد يفتح الباب أمام توترات داخلية، في ظل الانقسام العميق حول موقع لبنان في الصراع الإقليمي.
في المحصلة، لا يمكن فصل هذا القرار عن لحظة تاريخية يعيشها لبنان: لحظة تتقاطع فيها الحرب الإقليمية مع أزمة الدولة، ويتداخل فيها القانون الدولي مع ميزان القوى الداخلي. وبين نصوص اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية ووقائع الميدان، يقف لبنان أمام معادلة حاسمة:
إما أن يتحوّل طرد السفير الإيراني إلى مدخل لإعادة بناء القرار السيادي للدولة، وإما أن يبقى مجرّد خطوة متقدمة في الخطاب، متأخرة في الفعل، في بلد لا تزال حدوده السياسية مرسومة بتوازنات الخارج أكثر مما ترسمها مؤسساته الدستورية.