بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 كانون الأول 2019 12:00ص لغة الدولار في أسماء الإستشارات

هل يثأر التاريخ من الجغرافيا مرّة جديدة؟!

حجم الخط
في لحظة غفلى من الزمن، تبدَّل كل شيء في بيروت، ومعها باقي عواصم المحافظات. كانت تلك اللحظة مساء السابع عشر من تشرين الأوّل 2019، عندما خرجت جماهير الانتفاضة إلى الشارع، تحتج على استخدام الواتسآب في تغذية خزينة الدولة المنهارة..

تطور المشهد، على نحو دراماتيكي، حصل الطلاق الكبير مع الطبقة السياسية، ولكن لم يصل إلى خط اللاعودة، أو الطلاق البائن، بين جماهير الفقراء والطبقة المتوسطة وحتى الأثرياء، أو أولئك العائدين من وراء البحار، بعدما ضاقوا ذرعاً «بمغاور الزمرد والياقوت»، التي حدثهم عنها ذات يوم فلاح من هذه الأرض، فذهبوا يبحثون عن «الكنوز المرصودة» فعادوا خائبين، إلى بلد الأرز وقصص الجمال والسهر والحلوات وليالي الأنس خائبين من كل ما رأوا وشاهدوا من أزمات، طاولت البحر والنهر، وعلب الليل، وأسعار الخبز والدواء، والرواتب المتهالكة، وحتى المعجزة الكبيرة، نظام المصارف.

في اللحظة هذه المتمادية، لم يجد أهل لبنان بجناحيه، المقيم والمغترب العائد، في أرضهم «الزمرد والياقوت والعقيق والمهرجان وحبات الذهب وبركات السماء» التي حدثهم عنها ذات يوم فؤاد سليمان، في درب القمر (1912- 1951) على النقيض تماماً وجدوا: طبقة سياسية فاسدة، منحوها الثقة قبل سنة ونيّف، فإذا هي مثل الجراد تأكل الأخضر واليابس، وتهدّد لبنان بمجاعة أقسى من مجاعة الحرب الأولى الكبرى أيام الجزار وجيش السلطنة ونظام الانكشارية والباش بوزق.. ووجدوا نظاماً مصرفياً، طالما جذبت «السرية المصرفية» فيه الأموال من أصقاع العرب وأفريقيا وحتى الولايات المتحدة، بصرف النظر عن نظام الفوائد، أو الإغراءات المالية الأخرى.. تحكمه سمة «العقل الميليشياوي» بإجراءات جعلت المودعين، يعتقدون، أو هكذا جعلهم موظفو المصارف الذين بدوا وكأنهم يتصرفون كالعفاريت المهددين بالخروج من البرك وضفاف الأنهر الغناء، كأنهم متسولون على أرصفة بيروت أيام العز، وباريس «الكافيه تريتوار» «cafe- trotoir» ولندن مدينة العالم، أو عاصمة القرن الحادي والعشرين، كما يحلو لأبناء نيويورك وباريس أن يطلقوا عليها..

تلقت المصارف اللبنانية، التاج المرصع على مملكة «المعجزة اللبنانية» ضربة في الرأس، انهارت الثقة بها، وعبر المحتجون في شوارع المدينة ومربعاتها عن انهيار الثقة بالدعوة إلى «سقوط حكم المصرف» الذي يظنون، عن صواب، أنه ابتلع ملايينهم، وألوف دولاراتهم، وذهبهم المرصع في خزنات المصارف.

في مرحلة إعادة الإعمار، التي بدأها الرئيس رفيق الحريري (اغتيل 2005) من خلال شركة سوليدير (Solidere)، التي تمكنت من إعادة بناء مساحة اربعماية وخمسين هكتاراً في وسط المدينة وعلى الأراضي المستردة من البحر استفاد الكثير من اللبنانيين والسيّاح ما أرادوه: أحواضاً لرسو السفن ومحلات ومقاهي حديثة في المناطق العادية، بما يشبه «سان تروبيه مشرقية» (مدينة مرسليا Saint- trope، أي منتجع بحري عالمي يشتهر بدور السينما والكازينوهات والملاهي).. «واصبح وسط المدينة، بعد الكورنيش أحد أماكن الالتقاء الرئيسية بالمدينة وبؤرة لذلك المرح الذي يعتبره بعض اللبنانيين سمتهم الأساسية (مانسيل، ثلاث مدن مشرقية، ج2: 265)..

بعد ما يقرب من خمس عشر سنة من اغتيال الحريري، تحوَّل المرح اللبناني إلى غضب، واحتضن وسط المدينة، من ساحة النجمة (Place des etoiles)، وهي التسمية الفرنسية للمكان الذي شيد فيه مجلس النواب، ولا يزال، وساحة رياض الصلح، وساحة الشهداء، آلاف اللبنانيين الغاضبين، المنتفضين الذين اطلقوا على أنفسهم ثواراً، وراحوا يصرخون: ثورة.. ثورة، في الساحات والشوارع.. مطالبين برحيل الطبقة السياسية الفاسدة، واسترداد الأموال المنهوبة، وتشكيل حكومة اخصائيين غير سياسية بمهمة محددة: وقف الإنهيار الاقتصادي، واعداد قانون انتخابات جديدة، تجري وفق الانتخابات النيابية، لاختيار نواب جدد، وحكومة جديدة..

في بيروت التي أعُيد بناؤها مع بداية تراكم الدين الحكومي، الذي تختلف التقديرات حول حجمه بين 78 مليار دولار و88 مليار دولار، أي ما يوازي خدمة الدين 155٪ من مجمل الدخل القومي، ارتفعت الأبراج السكنية الجديدة (برج بلاتينيوم، برج بيروت وبرج مارينا وبرج فورسيزونز) والتي غالباً لا تضاء بالليل، والتي تستخدم شققها المؤلفة من طابقين وأسطح بضعة أسابيع فقط في السنة، كانت تجري مليون ونصف مليون عملية تجميل في السنة الواحدة، وعرفت بيروت بأنها تحتوي على مراكز التجميل، كما تحتوي على المستشفيات ذات السمعة العالمية (مستشفى الجامعة الأميركية واوتيل ديو وغيرهما) والفنادق الفخمة، كفندق فينيسيا والسان جورج، والمطاعم والمسابح، والكازينو، وكل أشكال الترفيه والمرح والسياحة والتبذير والتمتع بالنساء..

في ظل وضع كهذا، مضت الحريرية التنموية والسياسية في السعي إلى تشجيع النمو وضمان تدفق الأموال الأجنبية..

يُقرّ وكثيرون إلى ان إقحام العمل العسكري الفلسطيني المسلح في الجسم اللبناني المشوش ولد الحرب الأهلية 1975- 1976) وبعدها الغزو الإسرائيلي للبنان لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية، والتبدلات التي حدثت في المشهد منذ ذاك الزمن، والسؤال الآن: مَنْ يولّد الأزمة الراهنة، هل هي النزاعات الصغيرة التي أعقبت اغتيال الحريري أو تحوُّل بيروت إلى منصة لتصفية النزاعات الإقليمية والدولية.. وهل تعلم اللبنانيون شيئاً من الحرب الأهلية.. في 17 ت1 2019: انكشف لبنان تحت وطأة تلازم التأثيرات المتبادلة بين الدول والأحزاب، المرتبطة بدولة المحور (ايران) انتقلت الازمة: شح في الدولار في بيروت، شح في الدولار في سوريا وإيران، اضطرابات متنقلة.. صدامات في الشوارع.. مئات الآلاف في الشوارع في بغداد تطالب بإسقاط النظام المدعوم من إيران.. انها المسألة نفسها في بيروت، مع ان خرج الشيعة من مشهد الاحتجاجات إلى حين.. إلى الدرجة التي كشف وزير الخارجية الأميركي النقاب عنها: انهم (في العراق ولبنان) ومن كل الطوائف، يريدون الاستقلالية، وإخراج إيران أو طردها من بلادهم!

في 21 شباط 2010، أعلن الحريري الابن «أود ان اطمئن المسيحيين إلى اننا واحد، وان التساوي سيبقى إلى الأبد...».

ولكن احداث أوكتوبر اللبناني، وضعت هذا التطمين، على الطاولة، مع الرجل الذي استقال من السلطة، أو هو قاب قوسين أو أدنى من الخروج أو البقاء.. ليترك بيروت أو يبقى في مواجهة خيارات غير مسبوقة بين الخروج من ربقة النظام الطائفي أو التسكع على أبواب الاعانات المرتجاة، ولكن غير المتوقعة من الدول التي خاطبها الرئيس سعد الحريري في رسائله بالمبادرة إلى «مساعدة لبنان بتأمين اعتمادات للاستيراد من الدول المعنية بالوسائل كالسعودية وفرنسا وتركيا والصين وإيطاليا، فضلاً عن الولايات المتحدة الأميركية التي تحبس الدولار عن لبنان..

كان هاجس الحريري تأمين استمرارية الأمن الغذائي والمواد الأوّلية للانتاج في مختلف القطاعات..

في اللحظة هذه، وقبل ساعات من فرز الخيارات في الاستشارات النيابية.. وبخلاف ما هو مرسوم لهذا البلد، وعاصمته بيروت، كل شيء يتكلم «لغة الدولار»، حتى الأصوات التي سيجمعها الرئيس ميشال عون ايذاناً بتسمية الشخصية المرشحة لتأليف الحكومة العتيدة... والتي عليها ان تتكلم لغة «الدولار» أيضاً التي تحدد وحدها مصير بيروت كمدينة تتجاوز الطوائف، وتعود مدينة مشرقية من طراز جديد. وكذلك ميناؤها الكوزموبوليتاني.. أم أن التاريخ يثأر من الجغرافيا مرّة جديدة؟!