12 شباط 2024 12:01ص ماذا نفهم اليوم من مواجهات إيران؟

حجم الخط
أورنيلا سكر

بعيداً عن دموع الثكالى والأوهام التي طالما تغذّت عليها الأمبراطوريات، فاليوم التاريخ يعيد نفسه مسطّراً بدماء الشهداء والابرياء، أجندات خبيثة تعيد مأسسة وتشكيل الشرق الأوسط من جديد بنفس الأفكار المسمومة والمعادية للعرب والمسلمين لكن، وفق منهجية جديدة أكثر استحكاماً وسيطرة وهيمنة على العالم العربي بحجة مواجهة المشروع الامبريالي والصهيوني. الحقيقة أن هذه المنطقة احترفت ابتكار الأعداء وصناعتها غير انها لم تفلح في تحديد من العدو ومن الصديق. فهل فعلاً مواجهات إيران في المنطقة تخدم المصلحة العربية؟ أين وكيف؟
في الماضي القريب تم اختراع القومية العربية تحت عناوين تحرّرية ووطنية لمواجهة الإستعمار الأوروبي غير أنها في حقيقتها تم توظيفها لإستهداف السلطنة العثمانية وشيطنة الوحدة العربية بفعل عناصر موضوعية داخلية وخارجية تعتريها كثير من النزاعات والانقسامات الداخلية العرقية واللغوية والاختلافات الدينية والثقافية، بحيث لم تختبر المنطقة فيها أي تجانس ثقافي أو قومي يساعد على إمكانية تعزيز التعاون والتكامل، ومن تحديد مشروع عربي- قومي أصيل في مواجهة جميع المخططات الاستعمارية والامبراطوريات والإمبريالية. ما دفع المنطقة لتكون ساحة تكالب لسياسات الغرب والدول الاقليمية أو ما كان يطلق عليه بالأعاجم، أي بني عثمان وبني فارس ولم تختبر المنطقة العربية فرصة النهوض. فقد كانت المنطقة دائما ملاذا لحروب الآخرين التي جعلت تلك الشعوب المحلية في حالة من الاضطهاد والجماعات المنبوذة والمشرّدين والمطاردين خوفاً من المؤامرات والإستبعاد فضلاً، الى تاريخ الصراعات الدينية والعقائدية المتجذرة منذ القدم في ذاكرة تلك المجموعات نتيجة العنف والكراهية والذمية والارتهان والتبعية للخارج بمعزل عن الدوافع والأسباب التي يتمّسحون ويتحاججون بها، من أجل الدفاع عن الهوية والوجود والحضارة والتاريخ المسلوب والمسلوخ. كما كثير من تلك الحقبات تم تشويهها واختزالها بالفتوحات الإسلامية والإسلام دون مراعاة فكرة ان أصل تلك الشعوب تقوم على خلافات الأنساب والعرقية والعنصرية والطائفية المتأصلة في التاريخ نتيجة تلاقح الثقافات والحضارات الغزوات التي اعترت هذه المنطقة، وكان لها تأثير كبير على سلوك وثقافة وحضارة تلك الشعوب.
فما نعيشه اليوم على يد الفرس أو المشروع الامبراطوري الفارس  المزعوم من الولايات المتحدة بشكل غير مباشر يعيد احياء نفس الاختلاجات والكوابت ومشاعر المظلومية وينتج نفس الاكراهات التي لم تستطع المنطقة العربية أن تلتئم جروحها، إلّا وسرعان من يأتي فيذكّرها بعنف الماضي وأحقاده. ربما إيران مثلها مثل أي، دولة لها الحق في أن تصبح دولة امبراطورية حالمة مثل باقي الامبراطوريات لكن من غير المسموح أن يكون العالم العربي مقطع الأوصال ومتآمر عليه ويتم تجريده من كيانه وحقه بالوجود عبر اقتلاعه من جذوره وسلخه من ذاكرته وتاريخه، بانتظار رحمة العم السام أن تحلّ عليه. فما يجري اليوم، ليس فقط تصفية الفلسطينيون والقضية الفلسطينية إنما هي حرب تصفية العرب والعالم الإسلامي السني الذي كان في المرصاد دائما ضد شرور واستبداد الاستعمار الغربي الأوروبي. إن بني فارس لم يكونوا يوما على عداء مع الغرب والاستعمار الأوروبي، فقد كان للشاه إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية مصبوغا بنزعة مذهبية سياسية، وجد الاستعمار البريطاني والفرنسي والأميركي فرصة عظيمة لإخضاع المنطقة وتقسيمها بفعل النزاعات الطائفية والقومية والعرقية التي تسيّدت إيران من خلالها على حساب المصلحة العربية. كما أن أيران لم تحمل مشروع سياسي في المنطقة سوى تمكين الإسلام السياسي تحت أوهام نصرة المظلومين وعناوين عاطفية تحررية لم تحقق أهدافها أكثر من انها مكنّت إسرائيل أكثر فأكثر، واستطاعت فعل ما عجزت عنه طوال حروبها العربية من خلال تأكيد الرواية الغربية بأننا شعوب ارهابية ومرتزقة وبشكل خاص أحداث سوريا العراق الأخيرة عبر تفعيل ورقة الارهاب على رغم انكشاف حقيقة هذا الكيان بفضل تسريبات وسائل التواصل الاجتماعي وحركات الإحتجاج في الغرب مواقف بعض الدول الأوروبية من إسرائيل وسياسات المقاطعة، وبالرغم من ذلك لا تزال إسرائيل تنشر الأكاذيب والأضاليل والحروب النفسية والإعلامية لتوجيه الرأي العام الإسرائيلي والعالمي وإيهام الناس بأن حربها مع العماليق والحيوانات البشرية التي تعيش تحت الأنفاق. مما أدّى إلى إيجاد التبريرات والذرائع للتدخلات الأجنبية، وهذا ما عبّرت عنه الحرب القائمة واللامتناهية بحجة الحرب على حماس الارهابية بحد قولهم، وتحجيم أميركا لإستفزازات الحوثيين في البحر الأحمر.
عملياً، إن إيران تتقاسم مع الغرب نفس النزعة العرقية وآرية الرجل الأبيض، فلم يكن غريبا أن تتلاقى النزعة الاستعمارية الصفوية مع الأطماع الأوروبية الصليبية والبرتغالي الاستعمارية التي أصبحت تشكّل خطرا كبيراً ليس فقط على المنطقة العربية بل، والعالم الإسلامي بأكمله . فلا ننسى ماذا فعلت إيران الصفوية في المغرب العربي، إذ لم تكتفِ البرتقال بما فعلته هي واسبانيا بالمسلمين في الأندلس من إنهاء حكمهم، ومحاكم التفتيش والذابح ضد من بقي من المسلمين في الأندلس، والقيام بحملات استولت فيها البرتغال على  ميناء سبتة المغربي المطل على البحر المتوسط ومن ثم ورثت إسبانيا بعد ذلك سبتة عندما خضع التاج البرتغالي لإسبانيا. ويقال على لسان مؤرّخين مثل شوقي الجمل بأن هزيمة المسلمين في الأندلس لم يكن بها واقعة لولا مشاغلة الفرس للمسلمين بنزاعات بحرية واقتصادية في البحر المتوسط، الأمر الذي مكّن الإسبان من أحكام سيطرتهم في الأندلس. ولا ننسى تحالف الصفوي - البرتغالي لالتهام منطقة الخليج العربي من خلال عقد صفقة معهم تسمح للآخرين بالسيطرة على جزيرة هرمز التي تتحكم بالمضيق وبالتالي، على حركة الملاحة في الخليج العربي مقبل سيطرت إيران على مناطق مثل الجزيرة العربية المطلّة على الخليج العربي، لكن حين سيطرت البرتغال على تلك المنطقة رفضوا السماح للصفويين بالوصول الى الجزيرة العربية. ويوضح عبد العزيز نوار مدى التأثير السيئ لهذا التحالف الصفوي - البرتغالي على تاريخ الخليج العربي لعدة عقود قائلا: كانت النتيجة ان ساعدت سياسة الشاه هذه على تقوية التسلّط البرتغالي على الخليج العربي.
ومن خلال التحالفات التي عقدها الصفويون مع الدول الاستعمارية الأوروبية أو الأميركية لما وجدت موطئ قدم لها في المنطقة وتم احتلال بلاد العرب. وبالتالي إن الثورة الإسلامية التي صدّرتها إيران الإسلامية عام 1979، سمح بها الغرب أن تولد وتتطور لما تتضمنه من تأثير ودور فاعل يضاهي المستعمرة البريطانية أي، إسرائيل التي أثبتت عدم فاعليتها في أن تكون جسم طبيعي في هذه المنطقة والاندماج فيها، بدليل أن صفقة القرن والتطبيع وحل الدولتين أصبحت مشاريع مناطة بمدى رضى ومقررات طهران ، كلما حاول الغرب ازعاج إيران تقوم بدورها بتخريب المشاريع الغربية وازعاج الغرب. وهذا تماما ما يحدث في الأردن والعراق وسوريا واليمن عبر أذرعها الميليشياوية. لطالما كانت إيران تطلق أهدافها ومن ثم تعلن عنها، لماذا حين تم الاعتداء على التاور 22، انتظرت الموقف الأميركي لتعلن عن تبنّيها للعملية، إذا هذا التنسيق غير المباشر يدلل على تفاصيل وتفاهمات متناقضة تضع المنطقة على حافة الهاوية، وأن المصلحة العربية مغيبة وبخاصة أن قوة إيران المزعومة لم تستطع محاسبة تل أبيب ومعاقبتها، فكل ما جرى حتى الساعة هو نفي علاقة طهران بكل العمليات التي حدثت.
بالختام، وسط هذه المنازعات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط ، يبقى مشروع السلام مهدّدا ولو أن الولايات المتحدة تعلن دائما بأنها لا تريد الحرب، وهذا بفعل التشابك المصالح والإنقسامات الاقليمية وعدم وجود مشروع وطني قومي حقيقي يستجيب لكافة تلك التحديات وبخاصة مسألة الدولتين المغمورة بالمساحة المستوطنات. إن خلاص المنطقة لن يتحقق إلّا من خلال معادلة السلام مقابل السلام، فكل ما نشاهده هو إضعاف المؤسسات وهيبة الدولة ليحل مكانها عمل الجيوش غير النظامية والجماعات الانفصالية وتعزيز الارهاب والذئاب المنفردة على حساب الشرعية والجيش والمؤسسات. فما يجري اليوم هو إيهام الشعوب بأوهام تحت عناوين التحرر وواقع الحال، الثروات تنهب ويتم سرقة النفط السوري والعراقي واللبناني وتقاسمه مع الولايات المتحدة مقابل دعم هذه الثورة الإسلامية، وهذا ما كشفت عنه الوثائق السرية للاستخبارات الأميركية أيام الشاه وفي عهد المرشد خامنئي.
بالختام، وسط هذه النزاعات والصراعات  في الشرق الأوسط، يبقى مصير أي تسوية رهن الإرادة الأميركية التي أعلنت منذ البداية عن عدم رغبتها بالحرب. وبرغم ان النظام العالمي الجديد الذي يقوم على التعددية وتشابك المصالح والانقسامات، يحول دون إيجاد مشروع وطني حقيقي يقوم على معادلة السلام مقابل السلام. من هنا بات حل الدولتين رهن تحديات عديدة  بل مستحيلة. إن كل ما نشهده اليوم  هو إضعاف دور الدولة مقابل تمكين دور الجيوش غير النظامية التي مكّنت  دور الإسلام السياسي في المنطقة وتقاسم الثروات مع الولايات المتحدة بشكل خاص ابان غزو العراق  عام ٢٠٠٣ الى الحرب في سوريا ٢٠١١ أي فترة الربيع العربي، وهذا ما عبّرت عنه الوثائق السرية للاستخبارات الأميركية زمن الشاه بهلوي وصولا الى الثورة الإسلامية وذلك من خلال   سرقة النفط العراقي والسوري واليوم الأمر نفسه يتكرر بشان النفط اللبناني.