في لحظات التحوّل الكبرى لا تُقاس قيمة الحدث بما يرويه الناس عنه بل بما يفتحه من أفق جديد. من هنا يمكن قراءة الإسراء والمعراج لا كمعجزة روحية فقط بل كإعادة توجيه للبوصلة خارج «صندوق الحزن» والوهن الذي تصنعه سنوات الاضطهاد والظلم والحصار. كأن المعنى الأعمق يقول إن الرسالة لا تُختزل في الصمود داخل الألم بل تتطلب انتقالاً إلى رؤية كونية تربط المشروع الأخلاقي بسياق عالمي وتبني مساراً جديداً للحياة العامة. بعد ذلك جاءت «الهجرة» بوصفها ترجمة عملية لهذا التحوّل لا مجرد خروج من مكة إلى يثرب، بل تأسيس لنموذج سياسي اجتماعي مختلف يبدأ من اللغة ويمتد إلى العقد الاجتماعي ثم يستقر في مفهوم جديد للناس والمكان والشرعية.
أول ما يلفت في التجربة هو التحوّل في التسمية. حين استُبدل اسم يثرب بتعبير «المدينة المنوّرة» لم يكن ذلك تجميلاً لفظياً. كان إعلان انتقال من منطق «الفكر الأحادي» إلى منطق مدني متنوّع، ومن مجتمع محكوم بالولاءات العصبية إلى مجتمع يُعاد تعريفه عبر إطار جامع. الاسم الجديد ليس مجرد جغرافيا لطيفة بل فكرة سياسية، المدينة ليست ملكاً لفئة ولا مرآة لقبيلة بل مساحة مشتركة تُدار بقواعد عامة تحفظ الجميع.
هنا يظهر المعنى العميق لعبارة «المدنيّة المنوّرة» إنها ليست إحياءً لماضٍ ولا استدعاءً لرمزية دينية، بل تصور مدني للتعايش المؤسسي. فكرة تقول إن المكان يضيء حين تُبنى العلاقات بين أهله على العدل والكرامة والحقوق المتبادلة وحين يصبح الاختلاف مصدر غنى لا وقود فتنة.
الخطوة الثانية كانت أكثر حساسية، ربط مصطلح «المدينة» بمصطلح «الأمة» كما نصّت عليه صحيفة المدينة. «الأمة» هنا ليست عنواناً طائفياً ولا مشروعاً لإقصاء الآخر، بل مولود اجتماعي سياسي قيمي يعبّر عن مواطنين يعيشون في حيز واحد، مسلمون بتنوّعهم القبلي والمناطقي والأثني وغير مسلمين من مسيحيين ويهود وغيرهم. هي فكرة تذيب الفوارق العصبية وتُعيد ترتيب الانتماءات على قاعدة «المواطنة ضمن عقد» لا «الولاء ضمن عصبية».
بهذه القراءة «صحيفة المدينة» واحدة من أقدم الأمثلة على عقد اجتماعي يحاول تنظيم مجتمع متعدد الجماعات عبر إطار دستوري تعاقدي يهدف إلى الاستقرار والتعاون وتجاوز التوترات المحلية. فقد حدّدت حقوقاً وواجبات متعددة الأطراف وآليات لحفظ الأمن والدفاع المشترك ونظمت العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين وقدمت سبلاً سلمية لحل الخلافات. أهم ما في الأمر أنها نقلت المجتمع من كونه «تجمع جماعات» إلى كونه «عقداً» له التزامات وحقوق مشتركة.
هذا المعنى يضعنا أمام فكرة محورية، التنوّع ليس عائقاً في ذاته بل يتحوّل إلى أزمة فقط عندما يغيب الإطار العادل الذي يديره. وإذا وُجدت الحوكمة الرشيدة يصبح التنوّع مورداً وطنياً ومعرفياً واقتصادياً يزيد الابتكار والإنتاجية ويعزز الثقة بين المكونات المختلفة ويجذب الاستثمار ويخفف مخاطر النزاع.
لا يعود مبدأ الشورى داخل هذا البناء تفصيلاً أخلاقياً بل يصبح قاعدة تنظيمية للشرعية. فالحكم في فلسفة «المدنيّة المنوّرة» لا يقوم على قداسة الحاكم ولا على تحريم مساءلته بل على المشاركة والتداول والتفاوض، وعلى قواعد تحمي المجتمع من الاستبداد باسم الدين أو القبيلة أو العصبية. الشورى بلغة اليوم تعني مؤسسات تمثيلية، مشاركة سياسية، شفافية ومساءلة لا مجرد نصيحة شكلية.
حين يتأسس الداخل على عقد جامع يتحوّل إلى قوة خارجية حضارية لا قوة عدوانية. هذا ما يفسّر كيف تحوّلت قوة الترابط الداخلي إلى طاقة كبرى انتهت إلى «فتح مكة» ثم إعادة تعريف مكة كمركز روحي يستقبل التنوّع البشري بهدف نشر مفاهيم «المدنيّة المنوّرة» بأشكالها المختلفة في «الأمة» وعلى نطاق أوسع بوصفهما حاجة لمنظومة قيمية وبنائية لا مجرد حدث عسكري. كانت الرسالة بهذا المعنى توسعاً في المعنى والمؤسسات قبل أن تكون توسعاً في الجغرافيا.
على مدى قرون طويلة ترسّخ مفهوم «الأمة» كمكوّن جيني في الوعي السياسي والاجتماعي، واستمر لأكثر من 1300 سنة. لكنه لم يكن يعني أن خليفة واحد يحكم كل شبر من أراضي المسلمين كما يتخيّل كثيرون. التاريخ مليء بعشرات الدول والإمارات والسلطنات لكل منها نظامها وخصوصيتها ومع ذلك بقي الناس يتحركون داخل فضاء أوسع يشعرون فيه بالانتماء القيمي والمعرفي.
يكفي أن نتأمل حركة ابن بطوطة وابن خلدون وغيرهما لندرك أن «الأمة» كانت تعني حركة البشر دون قيود خانقة وحركة الأفكار دون خوف. ينتقل ابن بطوطة بين أقاليم بعيدة في أدوار دبلوماسية وقضائية، ويتحرك ابن خلدون بين المغرب والأندلس ومصر والشام، وينتقل الإمام الشافعي من العراق إلى مصر، ويتلقى الناس العلم من البخاري دون سؤال عن أصوله ويتبع الأتراك مذهب أبي حنيفة الفارسي دون عقدة نقص أو تفوّق... الأساس «القيم والمعرفة» لا «الدم والعرق» وهو ما تسعى إليه جهود بناء وترسيخ الاتحاد الأوروبي.
تبقى الدولة كمدنيّة منورة وفق خاصيّة التجمع السكاني منطقية وضرورية شرط ألا تتحوّل إلى قفص يقمع البشر ويصادر الأفكار ويقدّس الحكام.
إذاً كثير مما هو قائم اليوم يخالف تراث «الأمة كتجمع مدنيات منورة» من جهة الفكر الأحادي، محاصرة الفكر وحرية التنقل وصولاً إلى شيوع «حرمة قدسية الحكام» وكأنهم فوق القانون. الأصول القومية وعناوينها بالشكل الذي نراه اليوم مستجدّة ولم تكن هي المحرك الأساسي قبل عصور الاستعمار وتقسيماته. المشكلة ليست في وجود دول عديدة بل في أن تتحول هذه الدول إلى جدران تمنع الفضاء الحضاري الأوسع وتلغي فكرة أن البشر والقيم أعلى من مزاج السلطة.
وعندما يقع الظلم على أحد يُفتَرَض أن يستدعي ذلك مناصرة الآخرين بفعل الترابط الوجداني للأمة الواحدة. لكن هذه الحالة انقطعت إلى حد بعيد منذ نحو مئة سنة مع التحولات الكبرى في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وما تلاها.
لا تعارض في لبنان بين مفهوم «المدنيّة المنوّرة» بوصفها نطاقاً مدنياً منيراً يحترم الخصوصيّة اللبنانيّة ويستوعب الجميع تحت سقف عقد الدستور وميثاقية مقدمته الأخلاقيّة. بل إن لبنان بتكوينه وتنوّعه أقرب الدول إلى اختبار هذا النموذج شرط أن يُعاد بناء العلاقة بين الطوائف والمناطق على قاعدة العدالة الدستورية والمواطنة المتساوية.
المطلوب هو مقاومة تطرفين: تطرف التقوقعات الطائفية والمناطقية التي تحوّل المجتمع إلى جزر متقابلة، وتطرف الدعوات التي تتعامل مع الدولة الحديثة وكأنها خطيئة يجب إلغاؤها. وعلى العكس الأساس هو استيعاب منطق خاصيّة «المدنيّة الجامعة» وارتباطها مع «الأمة الجامعة» كي تصبح العدالة والإنصاف قاعدة مشروع الدولة الدستورية الراعية. دولة تضمن المساواة أمام القانون، تمنع التمييز، تبني مؤسسات تشاركية، تفصل السلطات وتحصّن استقلال القضاء كضمانة حياد تجاه الأقليات والأكثريات معاً...
لا يمكن لدولة صغيرة مثل لبنان ولا حتى لدولة كبرى في المنطقة أن تؤمّن وحدها شروط النهوض الحضاري المعاصر. لغة العصر تتطلب أطر تكامل بين الدول وفضاء «الأمة» الأوسع للمصالح المشتركة. هذا التكامل ليس ترفاً بل ضرورة اقتصادية وجيوسياسية وأمنية.
المطلوب نموذج تكاملي يحفظ الخصوصيات والحريات ويؤسس على قواعد المصلحة المشتركة، يستند إلى لحمة ثقافية وفكرية وحضارية ويُحمى من أي خطر أو تدخل خارجي. كما يحتاج إلى رؤية مؤسساتية حديثة على مستويات الاقتصاد والإدارة والتعليم والثقافة وصولاً إلى قوة ردع تحمي المشروع من أن يتحوّل إلى أداة في يد مشاريع عسكرية ذات فكر أحادي قومي أو طائفي يناقض جوهر «المدنية» و«الأمة».
والدرس الأهم من تجارب الاتحادات العالمية أن البناء من فوق إلى تحت لا يصنع تكاملاً حقيقياً. فشلت التجارب لأنها انطلقت بقرار سياسي من القمة ثم ماتت في القاعدة. المطلوب اليوم البناء من تحت إلى فوق تعاون بلدي، جامعي، نقابي، اقتصادي ثم ترجمته في مؤسسات دولة وتحويله إلى شراكات إقليمية ثابتة بعيداً عن المزاجية والعاطفة وإيغو الحكام.
كل هذا الكلام يبقى ناقصاً إذا لم يتحوّل إلى «فاعل اجتماعي سياسي» يقوده ويحميه. وفي لبنان تحديداً لا يكفي أن نتحدث عن «المدنيّة المنوّرة» كإطار نظري بل يجب أن نسأل من يملك القدرة التاريخية والرمزية لتحويلها إلى ممارسة وطنية جامعة.
هنا تبرز مسؤولية الطائفة السنيّة في لبنان لا بوصفها طائفة امتياز ولا كعنوان صراع، بل كحامل تاريخي لإرث الإمام الأوزاعي ومنهجية المدنيّة الجامعة التي ترى الدولة عقداً والمجتمع شراكة والاختلاف ثروة لا تهديداً. استعادة هذا الدور تعني قيادة مشروع وطني إنقاذي يحتضن كل الطوائف والمكوّنات ويعيد وصل لبنان بوظيفته التي فقدها كمساحة توازن وتلاقي لا كساحة تصادم بين المحاور. دورٌ يضع المواطنة فوق الغرائز ويترجم الإرث إلى مبادرات مؤسساتية عملية من عدالة دستورية، سيادة قانون، مساءلة، شراكة سياسية واقتصادية وحماية للتنوّع كقيمة وطنية.
وعندما ينجح لبنان في تقديم نموذج «مدنيّة منوّرة» معاصرة يمكن تطويره لاحقاً وفق منطق الـBenchmarking أي عبر قياس التجربة باستمرار، ومقارنتها بأفضل نماذج الحوكمة والتعددية والإدارة العامة في العالم ثم تحسينها تدريجياً. هكذا يصبح لبنان مختبراً حيّاً لدولة عربية حديثة تتقدم بالتراكم لا بالشعارات وبالإنجاز لا بالاصطفاف.
في النهاية مفاهيم «المدنيّة المنوّرة والأمة» ليست ترفاً فكرياً ولا سردية تاريخية، بل نقيض جذري للعنصرية السادية ولنظام الامتيازات الكولونيالية ولنظام المحاصصة الذي تحرسه ميليشيات المال والسلاح. إنها الخلاص إذا أُخذت بجديّة خطة إنقاذ واقعية لبناء مستقبل يليق بالناس وبالأجيال القادمة في لبنان والمنطقة.