22 كانون الأول 2025 12:05ص من اجتماعات الميكانيزم إلى حياة الدراجات النارية.. «أي مصير ينتظر بيروت الساعية إلى اختراع الحياة من جديد؟!»

حجم الخط
بعيداً عن اجتماع لجنة الرقابة العسكرية التقنية لوقف النار بموجب القرار 1701 والذي تمَّ التوصل اليه خلال مفاوضات توسَّط فيها الموفد «البايدي» (نسبة الى الرئيس جون بايدن) هوكشتاين في 28 تشرين الثاني 2024، وبعيداً عن المسار الرسمي لحصر السلاح، أو ما شاكل، وبوادر اشتباك ما يزال ناعماً الى اليوم بين الدولة اللبنانية وحزب الله، على الخلفية المشار إليها، كانت مرحلة البحث عن دار نشر عريق، تقود كاتب هذه السطور، من شارع الحمرا على بُعد أمتار من الجامعة الأميركية الى شارع السادات الموصل الى قريطم وشوارع اخرى، وهناك قبالة جامعة أميركية اخرى، هي ال L.A U أو الجامعة اللبنانية - الاميركية، عثرت على الدار، ثم غادرت عائداً الى المكان الذي جئت منه أو أقصده».
وفي الطريق الخالية من الحياة، والملأى بحياة، وبدورة حياة غير مألوفة، كانت تراود صاحبنا (أي كاتب هذه السطور) أفكار تطرد أفكاراً..
الشارع من قريطم باتجاه الشارع العريض الموازي جيئة وذهاباً، بدا متشحاً بالكآبة وكأن الموت سكن هناك، ولم يغادر بعد..
وفي الطريق، عاملون خارج محلاتهم يأخذون فسحة من ضيق الفراغ في تلبية طلبات الزبائن.. انتظارات تعمّق المأساة، وتجعل من اقتصاد المدينة، ورقة مهملة في أوراق العمل والدراسات والتحليلات التلفزيونية «البائسة» والحالكة  أيضاً كوجوه هؤلاء الجهلة، الذين لم يطرقوا باباً من أبواب المعرفة إلا طرقوه، وهم يهدأون حيناً، ويزمجرون أحياناً، وكأن المعارك الكلامية تأتي بالحلول، وتأتي بالخبز والعجين ولقمة العيش للبيارتة والساكنين في بيروت، مع توقف حركة اقتصادية، تكاد تقترب في بعض الاحيان من الصفر المتجلّد في القطب الشمالي من الكرة الارضية..
بين الكتابة الداكنة، والأيادي التعبة من قلة الحركة والعمل تتناوب في الاذهان والوجدان أسئلة عمَّا حدث للمدينة التي دمِّر وسطها التجاري بأسواقه وتراثه ومساحاته، ومقاهيه، وأبنيته الممتدة عبر تاريخ مديد. وينقل الادريسي (المعروف بالشديف الادريسي 1099 - 1153م) عن ابن بطوطة قوله:... «ومدينة بيروت حسنة الأسواق وجامعها (الجامع العمري الكبير) بديع الحُسْن، وتجلب منها الى ديار مغر  الفواكه والحديد»..
يضيف الإدريسي نقلاً عن أبو الفداء: وهي على ساحل البحر (الابيض المتوسط)، وهي ذات برجين، ولها بساتين ونهر وهضبة، ومن بيروت الى دمشق يومان، وكان بها مقام الاوزاعي الفقيه،ولها ميناء جليل،  وبينها وبين جبيل ثمانية عشر ميلاً (والكلام للإدريسي - المباني الحديثة).
في كتب الجغرافيا حتى عقد السبعينات، كان تلامذة الصفوف النهائية، يتعلمون في بيروت، وهي عاصمة الجمهورية اللبنانية، وتعتبر مع ضواحيها محافظة قائمة بذاتها غير مقسَّمة الى أقضية، ذات وضع فريد بالتسمية لباقي المدن اللبنانية، فهي تحتكر حيوية البلد البشرية والاقتصادية والسياسية والثقافية والادارية.. وحسب الكتب هذه، فبيروت تحتكر القسم الأكبر من النشاط التجاري في لبنان بسبب مرفئها الكبير ومطارها الدولي واتساع ميادين تجارتها وعلاقاتها مع بلدان الشرق الاوسط وخاصة الدول العربية.. وهي فوق ذلك نقطة جذب لا يقاوم إغراؤه بالنسبة لمجموعات كبرى من المثقفين اللبنانيين والعرب والاجانب.. الى درجة أن شاعراً بحجم نزار قباني قال في احدى قصائده: وأهديناك مكان الوردة سكيناً..
ليس من السهل، وأنت تشاهد هموم الناس الجاثمة على صدرها، إلَّا وتتذكر ما أصاب العاصمة، حيث كانت الحرب هي السكين الذي مزَّق المدينة  على مدى سنتين وما تلاها، لكن فيليب منسيل (صاحب مؤلف ثلاث مدن مشرقية - عالم المعرفة 2017) يكتب بثقة  على الرغم من أهوال الحرب، لم تأخذ مدينة اخرى، لا أثينا ولا عمان ولا دبي مكانة بيروت كعاصمة اقليمية، ذلك أن جمعها للأدمغة والمتع والحرية، لم يكن له نظير..
كان رفيق الحريري (رئيس وزراء لبنان من 1992 - 2004 في أغلب هذه السنوات)، حسب المؤلف «وفي محاولة منه لجعل بيروت منافساً لدبي وهونغ كونغ، أوضح أنها تمتلك واحدة من سمات المدن العظيمة، وهي القدرة على اعادة اختراع نفسها..
انتهت حقبة غنية بالانجازات، من جامع محمد الأمين ذي القباب الزرقاء، الى مراكز التعليم والجامعات، والبورصة الى «جراحة التجميل في العالم» حيث كانت بيروت تُجري، مليون ونصف مليون عملية تجميل في السنة الواحدة.
عرف لبنان وبلاد المشرق سلسلة من التحولات، كان ابرزها الحروب، سواء في بلاد «الربيع العربي» أو بلاد المشرق، بفعل الانظمة الديكتاتورية،التوتاليتارية، والهجمة الضريبية على بلاد العرب وثرواتهم، فضلاً عن الغطرسة الاسرائيلية البغيضة، التي سعت الى تحويل كل مضادات التقدُّم في بيروت لمصلحتها..
قبل حرب «طوفان الاقصى» كانت عاصمة لبنان، وكل لبنان يتنقلون من كارثة الى أزمة أخطر منها، فمن تكديس آلاف السوريين في المدن والعمارات، وحتى الازقة الضيقة، الى أزمة الكورونا، والحكومة التي نشأت غداة إبعاد سعد الحريري (ابن رفيق الحريري) عن رئاسة الحكومة، ووصول حكومة تنصاع لأوامر تحالف التيار الوطني الحر مع حزب الله والثنائي الشيعي، وزعماء وممثلين آخرين، الى نكبة المواطنين بخسارة ودائعهم في المصارف اللبنانية، التي سقطت مرة واحدة، في واحدة من أسوأ تجارب النظام المصرفي في العالم..
يتحول الأمل مع الحكومة الراهنة في ضوء تحرير ضاحية بيروت الجنوبية من أن تكون ملحقة بطهران، كما كان في السابق، وموت نظام في سوريا، سبب حسب ما يتكشف الويلات تلو الويلات للبلد الصغير المجاور.. ولكن الاسئلة ما تزال تتدافع: 1 - ماذا عن حلول انظمة الموتوسيكلات (الدراجات النارية) في الشوارع مكان المشاة، حتى على الأرصفة، من يعالج هذه الازمة الخطيرة، التي حوَّلت جمال الحياة في بيروت الى أيام  وأشهر وسنوات ملأى بالمعاناة والقهر والتلوث والتفلت من كل الضوابط..
ثم من يعالج عمل المولدات، التي سعى أصحابها لجني الثروات الطائلة، ولو على حساب المواطنين، الذين لم يلمسوا شيئاً من الكهرباء والمياه، لا في السلم ولا في الحرب، على الرغم من إنفاق 47 مليار دولار أميركي على تمويل الكهرباء والتي طاعت بين البواخر والسرقات والسمسرات،والاختلاسات والموبقات ما خلا الهواء الذي يحتاجه المواطن ليطفئ أمراض المولدات وكلفتها..
في شوارع بيروت الساعية الى العودة الى اعادة اختراع الحياة والامل بالمستقبل.. ينتظر المواطن اللبناني اعادة عودة سريعة للنازح السوري، من زاوية الاخوة، لا العداء الذي يصبح أمراً واقعاً اذا ما تفاقم الوضع بنازحين جدد ومستثمرين جدد، ومطاعم جديدة، ومحلات تجارية جديدة، وصولاً الى الحلويات وكل الخضروات واللحوم، ومقدرات العيش للمدينة المتروكة لقدرها.
وبعيداً عن قانون الفجوة المالية الذي من المفترض أن يُقرّ اليوم كواحد من الانجازات التي تعيد الروح للمصارف والاقتصاد، أو مسار حصر السلاح ومستلزماته الثقيلة، في ظل الحرب الاسرائيلية المفتوحة على لبنان وسوريا وغزة: فإن السؤال الخطير: أي مصير ينتظر بيروت: النظام القبلي أو العودة الى بهاء الشرق وحضارته، بصرف النظر عن السلام الممتنع مع اسرائيل..