من زيارة فالدهايم إلى السياج التجريبي.. «في الطريق إلى فرون بين الدمار الرهيب وأشلاء الإنتماء»
حجم الخط
في الطريق الى فرون ، يبدو المشهد مقبولاً، حتى ما بعد الخروج من بلدة برج رحال صعوداً، دير قانون النهر (بيوت مدمرة على جانبي الطريق)، معروب (بيوت مدمرة على الطريق العام) صريفا (منازل بالكامل أزيلت من الأرض، الوقائع تتحدث عن استهداف تدميري، قلَّ نظيره..
تخرج من دمار يكاد يحضر عند كل لحظة، تفكّر فيها، وأنت على أرض المواجهة، تصل الى الغندورية: منازل ومتاجر سويت بالأرض.. وعند مسافة صغيرة، وصلت دبابة ميركافا إبان المواجهات، ومكثت لثوانٍ ثم غادرت، هناك بعضٌ من الناس يحييون مراسم عاشوراء: مياه، ومناقيش، ومشروبات سكرية، وسندويشات، وقهوة مع الترحم والعزاء لفتية وفتيات.
يرتدون الأسود، ويضعون على رؤوسهم بعض «الربطات الخضراء» أو الصفراء.. (ها قد وصلنا الى مدخل فرون، المتصلة اتصالاً جغرافياً وعائلياً واجتماعياً مع الغندورية، شريكتها في المصاب العظيم.. محطة المحروقات، تعرضت للتخريب والقصف، ومن هناك باتجاه المكان المقصود (أي منزل صاحبنا)غرباً، طريق محفَّرة، ومنازل على الأرض من عائلات عدة، ترتزق من مهن حرة، أو من زراعات موسمية، غابت كلياً هذه السنة، بسبب الحرب التي لم تتوقف منذ العام 2025، وقبلها2024، 2023.. وصلت بعد معاناة أولى مع المصائب والخرائب والتدمير، وقتل معالم البسمة والحياة وحتى العصافير، التي لم يبقَ منها إلاّ البواشق والغربان، تبحث عن طرائد في الأودية المهجورة..
في ساحة المنزل، حيث مواقف السيارات شظايا تملأ المكان من الأحجار والباطون وحتى حديد القذائف المستخدمة في تدمير منزل على قرابة أمتار، ولا شأن لصاحبه بأي أمر، فلا انتماء له، ولا يحسن الحرب ولا القتال، ولا حتى استخدام السلاح (إنه استاذ في إحدى ثانويات المنطقة).
تفقدت، وتذكرت، وشكرت الله، وتساءلت، قبل أن أستعيد ذكريات خلت،مع هواء منعش،سببته آلة الحرب المعادية، ولا حاجة لشرح إضافي..
الصورة لم تكتمل بعد.. ففي الطريق الى الضيعة القديمة.. لا منازل واقفة على جانبي الطريق، هنا دمار موصوف، وهناك منازل تعرضت للسحق بسبب كثافة الغارات، وقسوة قذائف المدفعية الثقيلة.. قرية بكاملها على جانبي الطريق صارت على الأرض.. وكلما تقدمنا في الطريق الى الساحة، تظهر الويلات، فالمنازل في الساحة: المنازل القديمة أو العمارات الحديثة دمرت بمجملها، لا ينقطع الكلام عن دمار منزل فلان أو فلان وصولاً إلى الجامع الذي مسح عن الأرض(وهي المرة الثانية حيث يدمر)، وكان المرحوم والد صاحبنا يؤذن الفجر والظهر وعند العشيات: فكانت كلمة الله أكبر، تبعث على الأمان والسلام على أرض سلامها وأمنها يبدأ من إيمانها واستقرارها..
المنازل القديمة بحجراتها المصنوعة من الصخر، تعرضت لمأساة القصف والدمار، فهجرها الناس، وباتت غير ممكنة السكن حتى لسنوات..
في حارة البركة، أو شارع آل سعد، ثلاثة منازل أثرية تدمرت .. منها المستودع لورثة المرحوم توفيق شاهين، (المالك الأساسي لمعظم أراضي القرية) ومنزل آل حمدون، ثم منزل العائلة، بأقسامه الحجرية، ذات العمارة الجميلة بحجرها وقناطرها، والمستحدثة قبل 40 أو 50 عاماً، والذي تعرض لضربة -صاعقة، ضربت سقفه، ودمرت حجره، وتركته معلقاً على همه، سنوات معقدة من الانتظار.
حطام وزجاج، وبقايا غرفتين قابلتين للاستصلاح والسكن.. وحاكورة مساحتها أمتار قليلة ما تزال أشجار السرو صامدة فيها مع شجرة حامض، ما تزال هي الأخرى صامدة، ويمكن قصف حبات الحامض بلونها الأصفر عن هذه الشجرة الصامدة..
ثمة من مات من سكان الضيعة الممتدة على مساحة أكثر من 2 أو 3 كلم، والمنتشرة بثقة على أرض أصحابها، من توفي، فلم يشهد على المأساة.. مع فقدان الشباب والرجال والاطفال، وغياب مسحة الحياة الواعدة عند موسم الثمار والإصطياف ومشيات (من المشي) العشيات، والسهر حتى طلوع الفجر، وسماع صوت الأذان مجدداً..
تزايد عدد الشهداء، وتزايد عدد الوفيات، وذهب الناس بكل اتجاه يبحثون عن ملجأ أو مأوى، بعدما يزورون قريتهم التي تحولت الى أطلال دارسة..
لا سلاح ولا مسلحين، ولا مظاهر حرب، ما عدا مشاهد الدمار الرهيب، التي تلف الأمكنة من أولها الى آخرها..
سارعت بلدية فرون الى إصدار بيان تكذيب وإدانة، لاعتبار القرية منطقة تجريبية شمال ما يسمى بالخط الأصفر الى جانب قرية زوطر الغربية القريبة من قاعقعية الجسر، ومجرى نهر الليطاني الذي ما يزال جسره معطلاً عن العمل، وغير صالح لحركة السيارات وعبورها جنوباً أو شمالاً.. (وجاء في البيان: تستنكر بلدية فرون وأهالي البلدة ما يتم تداوله من حديث عن ضم البلدة الى ما يسمى بالمناطق التجريبية، وتؤكد أن هذا الطرح لا يستند الى أي أساس، الآن بلدة فرون ليست منطقة محتلة، وتقع خارج الخط الأصفر، وإن إثارة هذا الموضوع هي لزوم ما يلزم.
بصرف النظر عن أي شيء. السؤال لماذا فرون وزوطر الغربية؟
جيش الإحتلال يعلن أنه لن ينسحب من قلعة الشقيف، ومن زوطر الشرقية، وباقي المنطقة.. وبالتالي وظيفة المنطقة التجريبية» إبعاد عناصر حزب الله، وإحلال الجيش حيث الإنسحاب، ثم التحقق من قدرته على منع تواجد عناصر المقاومة.. أي أن المناطق التجريبية هي مناطق حماية لجيش الاحتلال وجنوده.. حيث يعجز عن توفير الحماية لهم.. فزوطر الغربية هي شمال الليطاني، وتقع لجهة الغرب على المنطقة، المفتوحة على مناطق تواجد المقاومة..
أمّا فرون، التي لا جيش احتلال فيها، ولا عناصر حزبية، فهي في عهدة بعض العائدين الذين نجت منازلهم.. واختيارها ليس عبثاً: فهي تقع على تلال مشرفة من جهة الغرب على مناطق تواجد جيش الاحتلال في القنطرة، وبعض ممرات وادي الحجير، والطيبة ودير سريان والقصير وبني حيان، ووادي السلوقي.. فإخضاع هذه المنطقة لسيطرة الجيش يعني ربطها أيضاً بمشروع أمني، ذلك إلا أنه كان لها دور محوري في مواجهة التقدم باتجاه «الزوطرين» وأبقت جيش الإحتلال ودباباته ومسيّراته: فكان لها الحصة الكبيرة من الدمار.. (عام 1978، وقف كورت فالدهايم عند تلة من تلاها ليعلن بدء مهمة اليونيفيل.. وعدنا وقتها تحت راية الأمم المتحدة.. اليوم مصير مجهول .. ينتظر الجنوب.. الله مع لبنان!






