العميد الركن المتقاعد جورج جاسر
حين تشتعل المنطقة، لا تحترق وحدها - بل تحرق معها موازين القوى التي بنى عليها العالم استقراره. ما يجري في الشرق الأوسط أكبر من حرب إقليمية: ضربات تستهدف قيادات إيرانية رفيعة، ومواجهة مباشرة تطال العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية. ما يحدث في مضيق هرمز وسماء تل أبيب ليس فصلاً قائماً بذاته - بل قد يكون الفصل الأول من قصة أطول تداعياتها باتت تُلقي بظلالها على العالم كله.
الولايات المتحدة هي المحرك الرئيسي، لكنها لن تخرج بلا ثمن. قواعدها في الخليج والعراق وسوريا ستتحوّل إلى أهداف للوكلاء الإيرانيين، والاستنزاف سيُشتت طاقتها عن تهديد الصين. اقتصادياً وضعها أفضل مما تتوقع طهران، إذ تملك بدائل نفطية جاهزة حصلت عليها من فنزويلا، خلال عملية عسكرية أطاحت بالرئيس الحالي، لكن الخسائر البشرية ستُشعل احتجاجات تذكّر بفيتنام والعراق، والانتخابات النصفية 2026 ستكون استفتاءً على هذه الحرب. إسرائيل ستواجه منظومة من كل جهة: حزب الله شمالاً، وفصائل انصار الله في اليمن والحشد الشعبي في العراق، والعراق، وما تبقّى من مقاومة غزة. هذا الاستنزاف المتعدد الجبهات سيُثقل اقتصادها ويُعمّق انقسامها، فيما ستدفع الحرب الطويلة مئات الآلاف من مزدوجي الجنسية إلى المغادرة - نزيف بشري يضرب أعمق من أي صاروخ. وستتصاعد عزلتها الدولية مع ملاحقات محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات.
لبنان يقف وحيداً أمام فاتورة لم يُوقّع عليها. حزب الله تنظيم لبناني باوامر إيرانية ، ففتح جبهة الجنوب وهجر سكان مليون إنسان بليلة ظلماء وتهديد للبنان كله تبدأ بضربات على بنيته التحتية وقد ينتهي باجتياح واحتلا جزء من أراضيه إلى إشعار آخر، ناهيك ثمن لاقتصاد منهك، ودولة هشّة، ومدن في مرمى الردود الإسرائيلية.
لبنان لن يكون طرفاً سياسياً في هذه الحرب - لكنه سيكون من أكثر المتضررين على أرض الواقع.
دول الخليج تقف أمام لحظة الحقيقة التي طالما أجّلتها. القواعد الأميركية على أراضيها تجعلها أهدافاً إيرانية تلقائية لا لأنها اختارت الحرب بل لأن جغرافيتها اختارتها. ارتفاع النفط سيملأ الخزائن، لكن هروب الاستثمارات ومغادرة ملايين العمال الأجانب ستُجمّد مشاريع التنويع الاقتصادي. وفي هذا السياق، عبّر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس وزراء قطر الأسبق، بصوت خليجي رفيع، عبر منصة «اكس»، «نبّه من الانجرار إلى مواجهة مباشرة، مُشيراً إلى أن ما بعد هذه الحرب سيُفرز موازين جديدة قد يكون لإسرائيل فيها حضور أثقل». وعندها تتحرر أميركا من الصراع وتصبح أسواق الخليج مرة جديدة سوقا لابتياع السلاح والابتزاز المالي. تركيا تواجه أصعب اختبار منذ نهاية الحرب الباردة. بموجب اتفاقية مونترو 1936 تملك صلاحية إغلاق البوسفور أمام السفن الحربية - فتحه يُغضب روسيا وإغلاقه يتحدى الناتو. أردوغان الذي بنى مكانته على التوازن بين المحاور سيجد نفسه في زاوية لا تنفع فيها المناورة.
روسيا ترى في الحرب فرصة: انشغال أميركا يُخفف الضغط عن أوكرانيا، وارتفاع النفط يملأ خزينتها. لكن الكرملين يعرف حدوده: لا يستطيع الانخراط في جبهة ثانية، والدور الأذكى هو الوساطة الانتقائية لكسب رصيد دبلوماسي بلا كلفة عسكرية.
الصين في موقع أشدّ إرباكاً: ربع وارداتها النفطية يمرّ عبر هرمز، واتفاقيتها مع طهران تُلزمها بموقف داعم بينما مصالحها مع الخليج والغرب تُلزمها بالحياد. الحل المرجح: ضغط هادئ على إيران في الخفاء وإدانة لواشنطن في العلن، لكن بكين تعرف أن كل يوم تغرق فيه أميركا في المنطقة هو يوم تكسبه في سباق بناء القوة وتبعد الولايات المتحدة الاميركية عن بحر الصين وتايوان.
أوروبا ستدفع الثمن اقتصادياً أولاً. أي اضطراب في هرمز سيُعيد أزمة الغاز 2022 بنسخة أشدّ وطأة، وفواتير التدفئة المرتفعة ستُشعل غضباً يستثمره اليمين المتطرف. عسكرياً ستنقسم بين شرقها المتشدد وغربها المتردد، وسلاحها الوحيد الدبلوماسية - مفيدة لكنها لن تُقرر مسار الحرب، وستبقى مهمّشة وأمنها مستعار تحت الرحمة الأميركية.
في الخاتمة، إيران لا تخوض حروباً تقليدية بل تُتقن الاستنزاف عبر وكلائها، وحين يطول الاستنزاف تبدأ التداعيات الداخلية في واشنطن وتل أبيب. أفغانستان والعراق علّما أميركا هذا الدرس مرتين. حين تجمع هذه الصور، يتضح أن هذه الحرب لن تُنتج رابحاً حقيقياً - بل درجات متفاوتة من الخسارة. والسؤال الحقيقي ليس أين ستقع الحرب المقبلة، بل من سيصل إليها وهو في كامل عافيته، ومن سيصلها وهو لا يزال يحمل جراح ما قبلها.