بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 نيسان 2026 12:15ص من طرد سفير الشاه عام 1966 إلى طرد سفير الحرس الثوري اليوم: السيادة لا تُستعاد بنصف قرار

حجم الخط
جيري ماهر

لم يكن القرار اللبناني الأخير باعتبار السفير الإيراني محمد رضا شيباني «شخصًا غير مرغوب فيه» مجرد محطة عابرة في العلاقات الدبلوماسية، بل هو تعبير واضح عن مستوى التوتر بين بيروت وطهران، بعد ما اعتبرته الدولة اللبنانية تجاوزًا للأعراف ومسًّا بسيادتها. ومع ذلك، فإن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في توقيته أو أسبابه، بل في كونه ليس سابقة كما قد يظن البعض، بل امتدادًا لمسار تاريخي سبق أن سلكه لبنان عندما شعر أن حدوده السيادية تُنتهك.
في عام 1966، لم تكن المسألة تفصيلاً دبلوماسيًا عابرًا، بل أزمة سياسية متكاملة بدأت من خارج لبنان وانفجرت داخله. مع بداية ذلك العام، زار وزير الإرشاد والأخبار الكويتي جابر العلي الصباح لبنان قادمًا من الجمهورية العربية المتحدة، بعد لقائه بالرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة. وعند وصوله، أدلى بتصريح واضح قال فيه إن الجمهورية العربية المتحدة لا ترى إمكانية لأي تقارب مع إيران طالما أن أراضيها تُستخدم مسرحًا للنشاط الصهيوني.
هذا التصريح، رغم أنه لم يكن موجّهًا مباشرة من لبنان، فجّر رد فعل سريع من السفير الإيراني في بيروت آنذاك، علي فتوح، الذي سارع في 14 كانون الثاني 1966 إلى نشر بيان قاسٍ وُصف بأنه جارح بحق العرب، وهاجم فيه عبد الناصر والكويت. هنا، تحوّل الأمر من موقف سياسي إقليمي إلى أزمة دبلوماسية داخل لبنان، لأن ما صدر عن السفير اعتُبر تجاوزًا واضحًا للأصول الدبلوماسية، خصوصًا أن الموقف الكويتي بحد ذاته لم يتضمن أي هجوم مباشر على إيران.
البيان لم يبقَ في إطاره الرسمي، بل انتشر في الصحف اللبنانية وأشعل الشارع، ما دفع الدولة إلى التحرك سريعًا لاحتواء التوتر. انتشرت القوى الأمنية حول المدارس والمعاهد لمنع خروج تظاهرات، في مشهد يعكس حساسية اللحظة وخطورة الانزلاق إلى اضطرابات داخلية. وفي موازاة ذلك، استُدعي السفير الإيراني إلى قصر بسترس، حيث اتُخذت إجراءات أمنية مشددة، ومنع الصحافيون والمصورون من الاقتراب.
في ذلك الاجتماع، الذي لم يستمر أكثر من نصف ساعة، أبلغه وزير الخارجية اللبناني جورج حكيم بقرار واضح وصريح: أنت شخص غير مرغوب فيه في لبنان. لم يكن هناك تردد أو مراوغة، بل قرار سيادي مباشر، أُعطي بموجبه مهلة ثلاثة أيام لمغادرة البلاد. بهذه البساطة، وبهذا الوضوح، حسمت الدولة اللبنانية موقفها.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة، لكن المضمون لم يتغير. مرة جديدة، تجد الدولة نفسها أمام سلوك تعتبره تجاوزًا للحدود الدبلوماسية، فتتخذ قرارًا بالطرد. لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في القرار بحد ذاته، بل في ما يليه.
التجربة تقول إن طرد السفير ليس نهاية المسار، بل بدايته. خطوة أولى تُقاس قيمتها بمدى استكمالها، لا بمجرد إعلانها. وهنا تحديدًا يقف لبنان أمام اختبار فعلي: إما أن يتحول القرار إلى رسالة سياسية عابرة سرعان ما تفقد تأثيرها تحت ضغط الواقع، أو أن يُترجم كقرار دولة يُفرض ويُحترم.
الاكتفاء بالإعلان دون التنفيذ الصارم يفرغ الخطوة من مضمونها، ويحوّلها إلى مجرد موقف رمزي. والأسوأ من ذلك، أنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة مفادها أن قرارات الدولة يمكن تجاوزها أو تعطيلها. وما ظهر من تردد أو ضغوط داخلية في هذا السياق لا يعكس فقط أزمة دبلوماسية، بل يكشف عمق الأزمة في قدرة الدولة على فرض سلطتها.
في عام 1966، لم تتردد الدولة، ولم تساوم على قرارها. أما اليوم، فالمطلوب ليس فقط استعادة هذا القرار، بل استعادة القدرة على تنفيذه حتى النهاية. لأن السيادة، في النهاية، لا تُجزّأ، ولا تُمارس بالبيانات، ولا تُستعاد بنصف قرار.
وطرد السفير الإيراني اليوم يجب أن يُفهم في هذا السياق: ليس حدثًا استثنائيًا، بل امتدادًا لسابقة واضحة. لكن هذه السابقة لا تكتمل إلا إذا استُكملت الإجراءات، من التنفيذ الكامل إلى تثبيت قواعد علاقة دبلوماسية قائمة على الاحترام المتبادل.
أما التراجع أو التردد أو السكوت عما حصل، فلن يعني سوى أمر واحد: أن المشكلة لم تكن يومًا في السفير… بل في قدرة الدولة على أن تكون دولة.