بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 نيسان 2026 12:10ص من يدفع الثمن، حين ينتصر الجميع؟

حجم الخط
العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

في زمن الحروب الحديثة، لم يعد النصر حدثاً يُقاس برفع علم أو توقيع اتفاق، بل أصبح رواية تُصاغ بعناية وتُسوَّق عبر الشاشات والمنابر. كل طرف يعلن أنه حقق أهدافه، وكل جهة تتحدث عن «إنجاز تاريخي»، بينما الواقع على الأرض يروي قصة أكثر تعقيداً وأقسى من أي خطاب. في هذا المشهد، تبدو الحقيقة رهينةَ من يملك أعلى منبر، ويبدو البحث عن الخاسر الحقيقي مهمةً يتهرّب منها الجميع.
تخرج إسرائيل لتؤكد أنها استعادت قوة الردع، وأن عملياتها العسكرية حققت أهدافها الأمنية. لكن خلف هذه اللغة الحاسمة تختبئ كلفة بشرية واقتصادية متصاعدة، واستنزاف طويل الأمد، وشعور داخلي متنامٍ بأن الأمن لم يعد مضموناً كما كان يُصوَّر. فكل جولة مواجهة لا تُنهي التهديد، بل تُعيد تشكيله وتأجيله، ما يجعل «النصر» حالةً مؤقتة لا حلاً نهائياً. والأخطر من ذلك أن إسرائيل تواصل قضم الأرض اللبنانية يوماً بعد يوم، وترفض انضمام لبنان إلى الهدنة ووقف لإطلاق النار، لاستفراد لبنان، مؤثِرةً فرض الأمر الواقع على أي تسوية تعترف بالسيادة وتُقرّ بالحدود.
أما إيران، فقد أتقنت لعبة الاستثمار بعيد المدى. بنت حزب الله بوعي استراتيجي كامل، ذراعاً ممتدة، وورقة ضغط جاهزة، وساحة حرب بعيدة عن أرضها. غير أن حين ضاقت الخيارات وثقل الاستنزاف الاقتصادي، آثرت إيران التفاوض مع واشنطن على حماية استثمارها في بيروت. فانفصل مسار حزب الله عن مسارها اكان في هذه الحرب او في حرب إسناد غزة، وأصبحت حربه مع إسرائيل حرباً بلا مظلة ولا غطاء، فيما وقف إطلاق النار الذي رُسم بين طهران وواشنطن لم يشمل لبنان ولم يُدرجه في معادلته. هكذا تحوّل الحليف إلى عبء، والاستثمار إلى ورقة يُتخلى عنها حين تنتهي صلاحيتها.
أما الولايات المتحدة، فتدير المشهد بمنطق المصلحة الصافية. فهي لا تتحمّل كلفة الحروب وحدها، بل تُعاد صياغة هذه الكلفة داخل منظومة اقتصادية ومالية عالمية، تمتد آثارها إلى الحلفاء والأسواق والشعوب. وفي سياق وقف إطلاق النار الأخير، لم تكن واشنطن غائبة، بل كانت تُمسك بخيوط التوقيت، إذ لا تُعقد هدنة ولا تُرسم حدود تسوية إلا في الوقت الذي تراه مناسباً لمصالحها الاستراتيجية لتدخل شريكا ماليا لإيران في مضيق هرمز، لا لوقف نزيف الضحايا.
وفي موازاة ذلك، تقف دول الخليج العربي أمام معادلة دقيقة بين الثروة والمخاطر. فهي تتحمّل أعباء أمنية كبيرة، وتُسهم في تمويل الاستقرار وإعادة الإعمار، لكنها في الوقت نفسه تُعيد حساباتها في ظل تغيّر المعطيات الإقليمية، حيث لم يعد الدعم مفتوحاً، ولا التمويل بلا شروط.
وضمن هذا المشهد، يقف حزب الله في موقع المتهم داخليا، وكبشا للفداء عن إيران . فهو يعلن الصمود، في وقت يدير حربا تفتقد إلى توازن القوى، فدفع بلبنان إلى حرب مرة اخرى، لم يتحمّل ثمنها وحده فحسب، بل بيئته الحاضنة أولا ولبنان ثانيا، والذي يُفترض أنه يحميهما. ووقف إطلاق النار الأخير لم يكن انتصاراً ولا هزيمة بالمعنى الكلاسيكي، بل كان استراحةً مفروضة تحت ضغط دولي، فيما الأرض اللبنانية وحدها كانت تدفع فاتورة كل دقيقة من دقائق المواجهة.
لكن في قلب هذه الصورة كلها، يقف لبنان وحيداً خارج كل سرديات «النصر». فهو لم يكن طرفاً في قرار هذه الحرب، بل وجد نفسه رهينةً لها - تتساقط على أرضه الغارات يومياً، وتُحصى ضحاياه بالمئات، وتتحوّل مدنه وقراه إلى ركام. في ظل ازدواجية السلاح والقرار، أصبح الشعب اللبناني يدفع فاتورة لم يوقّع عليها، من دمه وبيته ومستقبله - ثمن حرب لم يختَرها، في معادلة لم يُدعَ يوماً إلى صياغتها. وفي المحصلة، كشف استثناء لبنان من وقف إطلاق النار عن حقيقة أعمق من مجرد إخفاق دبلوماسي. فحين تركت إيران أذرعها تواجه مصيرها منفردةً بينما أبرمت هي تسويتها، كسرت العقد الضمني الذي قامت عليه هذه العلاقات - عقد الولاء مقابل الحماية. وبذلك تحوّل «محور المقاومة» من مشروع أيديولوجي إلى حسابات مصالح، تتبدّل حين تتبدّل المعطيات. والرسالة التي أفرزها هذا المشهد واضحة لمن يريد قراءتها:
- فقدان الثقة بين إيران وأذرعها لطالما تخلّت عنهم.
- أن هذه الأذرع لا ضمان لها ولا مستقبل خارج دولها الوطنية، وأن الاندماج داخل الدولة وتحت سقف القانون هو الملاذ الوحيد الحقيقي، لا الارتهان لمحاور تتخلى عمّن بنتهم حين تضيق بهم الخيارات.
في هذه البقعة من العالم حيث تتقاطع الحروب، لا تُهزَم الدول دائماً في لحظة واحدة، بل تُستنزَف ببطء حتى تفقد قدرتها على الصمود. تُخاض الحروب باسم الأمن، وتُبرَّر باسم العقيدة، وتُسوَّق باسم الانتصار، بينما النتيجة على الأرض واحدة: دماراً متجدّداً وخسارةً لا يعترف بها أحد.
وحين تتشابه كل الخطابات وتختلف الوقائع، يصبح السؤال الحقيقي أبسط مما يبدو: إذا كان الجميع منتصراً... فمن الذي يخسر كل شيء؟
الخاسر الوحيد ليس في التقارير..
بل في وطن يُستنزَف حتى آخر حدوده..
في لبنان الذي لا يُهزَم... بل يُترك ليُنهَك، وحيداً في ساحة لم يختَرها، وفريسةً في معادلة لم يُدعَ إلى صياغتها.