بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الأول 2024 12:05ص مواسم الحزن في الجنوب! وأسئلة جوابُها الهروب

حجم الخط
إذا قصدتَ الجنوب فهيّئ قلبك للحزن، ووطّن نفسك على الأسى، فقرى جبل عامل، المعلّقة بين الأرض والسّماء، أو تلك السّاحليّة، جارة البحر، ليست كما كانت ولا أهلها كما تعرفهم.
وجوه القرى الّتي كانت تبتسم بالأشجار والأزهار تراها اليوم تغصّ بالغبار والدّمار، وقلوب القرى مشحونة بالحزن والأسى، وكانت، قبلُ، تنبض بالحبّ والحياة، فتسأل نفسك بصدق: أَللقرى قلوب ووجوه ومشاعر؟!
تنظر بقايا بيت هنا، وركام بيت هناك: لا أطفال يلعبون ولا كبار يبتسمون ولا ضجيج فتية يتجالدون، صمت ثقيل يعمّ على الأماكن، كأنّها في حداد على غياب قاطنيها..
في الطّريق من المنصوري إلى مجدل زون، الضّيعتان الجارتان تتقاسمان الشّهداء والدّمار، يجلس على بقايا بيت مدمّر صاحبُه، ينفث دخان سيجارته ولا يقول شيئاً، يراقب خيوط الدّخان تذوب في الهواء كأنّها أحلامه الغابرة، وإلى جابنه تجلس زوجته، لكنّها على غير عادتها، لا تحدّثه ولا تعترض على شراهة تدخينه، تحرّك بأصابعها تراب منزلها وتنظر في اللّاشيء، لا ترى المارّين أمامها، وبالكاد تردّ السّلام إذا مرّ مَن يلقي السّلام.
نتابع الطّريق، تظنّه يتلوّى من الألم وهو يتعرّج بين الأحياء، كان النّاس يحتشدون على مفارق الأحياء بانتظار مرور الجنازة، ونسوة يحملنَ أوعية مليئة بالورود، ليحيّوا تضحيات بطل عرفوه وعرفهم.
الكلّ يعرف «حمزة فيّاض» كلّ القطاع الغربي يعرفه، هو قائد ميداني في أفواج المقاومة اللّبنانيّة أمل، نجا بأعجوبة من مجزرة «صبرا وشاتيلا» وقضت أمّه وأختيه وأخوه، وكان بعدُ في الثّالثة عشرة من عمره، ولأنّه يعرف عدوّه لم تعتب عليه ساحة من ساحات قتال «إسرائيل»، ليس انتقاماً لذويه فقط، بل دفاعاً عن لبنان والجنوب أيضاً.
في التّابوت ما تبقّى من جسد أنهك الحروب على مدى خمسين عاماً، وما أنهكته، حتّى قضى مع صهره بصاروخ GBU موجّه بعدما عاد ليرتاح قليلاً ليل التّاسع عشر من تشرين الأوّل الماضي.
أبو علي عامل يوميّ يعيل عائلة كبيرة بما تيسّر من عرق الجبين، وهو فعليًّا بالكاد يؤمّن قوت يومه، وبرغم ذلك كان بيته ملفى لشباب المقاومة من الحركة والحزب، فعنده خبرة سنين من القتال، وحسّ فكاهة وروح حياة..
ومضت سيارات الإسعاف، عدّة سيّارات تقديراً لعطاءاته، تتقدّمها واحدة تحمل بقايا الجسد الوديعة وصولاً إلى جبّانة «مجدل زون» حيث الحسينيّة المدمّرة وبعض القبور المبعثرة، حتّى قبر الطّفلة الشّهيدة أمل الدّر دمّرته «إسرائيل»!
وصلت سيّارة الإسعاف إلى نقطة تجمّع الأهالي، كانت زوجة الشّهيد وبناتها ونسوة أخريات ينحن ويلوّحن بأيدٍ متعبات، تحوكم النّاس حول النّعش المغطّى بعلم حركة أمل، وساروا خلفه يهتفون مع النّاعي الّذي يتقدّم الجنازة..
وصل المشيّعون إلى الجبّانة، كان المواسون في انتظارهم، وعلى مقربة من القبر، في الجهة المقابلة، أضرحة أربعة عشر شهيداً، وثمّة ستّة قبور أخرى أصحابها مفقودو الأثر إلى الآن..
هتف أهل الضّيعة والجوار وبكوا على حمزة وباقي الشّهداء، وكان أحد الشّبان يستمع بسيارته إلى مقطع من رثاء شهير نعى فيه الرّئيس نبيه برّي شهداء مجزرة قانا الأولى:
«من يقهر فينا هذا القهر
‏‎في نحر رضيع أبي عبد لله.. شظايا قنبلة عنقوديّة ..
‏‎من يخمد بركان النحر..».
كنت أتّكئ على حائط الجبّانة، أنظر جثمان «حمزة» في تابوت خشبيّ مغلق، يوارى الثّرى، سألني أستاذ علّمني في مدرسة الضّيعة: من يقهر فينا هذا القهر؟
قلت: «إسرائيل».
ابتسم وقال: «بدّا قعدة، لازم نقعد ونحكي، في كتير حكي..».
قلت: بالخدمة، قريباً ان شاء لله.
انتهت مراسم التّشييع، وبدأ النّاس يتفرّقون، تبادلنا السّلام، وعبارة «الحمد للّه على السلامة» الأكثر ترديداً بين النّاس، رأيت في آخر الزّقاق مختار الضّيعة، الحاج كمال سعيد، استشهد ابنه عبّاس، وبعد عشرة أيّام استشهد ابنه حسين.
حسين رفيق مقعد الدّراسة، كثير الهدوء والخُلق والدّماثة، لم يشيّع إلى الآن، حسين فقيد الأثر، وجثمان عبّاس وديعة بانتظار العثور على شيء من أخيه، تردّدت في الاقتراب من الحاج كمال، ماذا سأقول له، وكيف سأنظر في عينيه، أنا لم أقتل ابنيه، لكنّني أخجل من عينيه، كان شاحباً جدًّا وضعيفاً البنية جدًّا، ولم يكن كذلك قبلاً.
اقتربت منه فقام من مكانه لمّا رآني، حبست دموعي وعانقته، فربّت على كتفي واعتذر منّي لأنّه لم يكن في منزله يوم زرته لأعزّيه بشهادة ولديه في المنية!
قلت في نفسي: «من يقهر فينا هذا القهر؟».
وابتعدت بهدوء، أدرت محرّك سيّارتي وهممت بالهروب، هربت من وجوه أهلي، من الحزن السّاكن عيونهم، هربت من أسئلة كانت مؤجّلة، ويبدو أنّه أتى وقتها!
أسير ببطء شديد في الزّحمة، أوقفني شيوعيّ قديم، اعتنق الإسلام بعد سلسلة انتصارات المقاومة، شعرت بالورطة فعاجلني بسلسلة أسئلة:
من خان من في سوريا؟ هل خاننا الأسد؟ أم نحن تركناه؟ وماذا عن المحور، هل خسرنا كلّ شيء بسبب تردّدنا؟
هكذا قلتَ سابقاً وقلتَ بأنّ «نصف الحرب قتلنا»، هل كانت نصف حرب معنا أم حرباً كاملة فينا؟!
«طوّل بالك يا رفيق» قلتها وابتسمت.
هذه أسئلة كبيرة ولا وقت لشرح معادلات سياسيّة واستراتيجيّة معقّدة، وهو ليس مستعدًّا لسماع شروحات ومطوّلات، يريد جواباً مختصراً على مسار طويل ومعقّد، قلت له: «التّردّد يا رفيق، التّردّد هو السّبب».
قلت هاتين العبارتين ولم أتردّد بالهروب، فيوماً ستذهب سَكرة الحزن وتأتي فكرة الحقيقة، سيرى كيف اجتاحت «إسرائيل» مساحات من سوريا تفوق مساحة غزّة مرّتين في بضع ساعات، وعجزت عن احتلال كامل مدينة الخيام في ستة وستين يوماً.
سيزول ركام الحزن من قلب عائلة الشّهيد حمزة فيّاض وسيعلم الحاج كمال كم كان شهيداه ورفاقهما أبطالاً، وسيعود الجنوب أجمل ممّا كان، ويكفيه جمالاً موقف العزّ والإباء في زمان حكم فيه الأذلّاء والأدعياء..