بيروت - لبنان 2022/08/15 م الموافق 1444/01/17 هـ

نحو عقد اجتماعي جديد (1/5)

(بديل ديمقراطي للمحاصصة الطائفية)

حجم الخط

د. محمد شيّا*

1- في الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد:
حين نتحدث عن «عقد اجتماعي جديد»، فنحن لا نفتعل أبداً مشكلة غير موجودة، كي نبرّر الكلام والبحث فيها. هناك مشكلة حقيقية، تترتب عليها نتائج وآثار طالت وتطال معظم المواطنين وشرائح المجتمع؛ ولذلك ليس بالإمكان تجنّب ضرورة طرح المشكلة تلك، واعتبارها إشكالية تستحق تعب البحث.
تظهر أهمية العقد الاجتماعي الناجح، ومخاطر فقدانه، من ملاحظة أن الرفاه النسبي الذي عاشه الاقتصاد اللبناني الكلّي بعد سنة 2009، وحتى سنة 2017 أو 2018، لم يحلّ دون خروج الأزمة المالية إلى العلن ثم تحوّلها أزمة اقتصادية واجتماعية معيشية متسارعة قادت إلى الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول والتداعيات الكارثية اللاحقة على غير صعيد وإلى هذه اللحظة.
لماذا حدث ذلك؟ الأسباب متعددة ومتداخلة، لكن أبرز الأسباب العميقة للأزمة تلك، كما لأزمة 1993، وقبلها أيضاً، هو أن العقد الاجتماعي الذي كان مهيمناً (وهناك دائماً في المجتمع عقد اجتماعي أعلى من الأفراد مضمرٌ أو معلن) لم يعد يعمل، فَقدَ صلاحيته، ولم يعد ليقنع سواد الناس الأعظم، والشباب منهم على وجه الخصوص، فانهار النظام القائم على أساس ذلك العقد برمّته، وبسرعة فائقة، بل لم يجد من يدافع عنه، وكان لانهياره وقع الكارثة على 90% من اللبنانيين لا نزال نعيش فصولها إلى يومنا هذا.
تبيّن بالملموس إذاً، بل باللحم الحي كما يقال، أن هناك عقداً اجتماعياً قهرياً سيئاً لا يزال متحكماً بالبلاد وشعبها، أو في أحسن الأحوال فَقدَ صلاحيته منذ زمن، فجلب ما جلب من انهيارات على كل صعيد يمسّ الناس على وجه الخصوص.
وعليه فالبحث في قيام عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين ليس ترفاً فكرياً، ولا لغواً كلامياً، بل هو لعشرات الأسباب مطلب ملحّ لا يمكن تجنّب مقاربته والبحث فيه من قبل اللبنانيين، وبخاصة من الناس والهيئات المعنية بتقدّم المجتمع وتحديثه وحرية مواطنيه وسعادتهم، من خلال التذكير بحقوق المواطنين الأساسية، وليس بواجباتهم فقط، وفق أسس مختلفة أحدها إشراك الناس على نحو عادل في الثروة الوطنية، وفي المسؤوليات الوطنية، وكيما يُفتح بابٌ لأمل حقيقي بمستقبل زاهر لهذا الوطن وبنيه، والشباب منهم على وجه الخصوص - فلا يعودوا متسوّلين أمام السفارات الأجنبية كما حال أكثر من 85% من الشباب اللبناني كما أظهرت آخر الإحصاءات. والسلطة المتعامية عن الحقائق الصارخة هذه إنما تفعل ما تفعله عن وعي كامل من منطلق مصالحها المادية والسياسية المباشرة، دونما أدنى التفات لأبسط الواجبات التي تترتب عليها، وعلى مؤسسة «الحكومة» التي قبل بها المواطنون وفق ما يتضمنه كل عقد اجتماعي في كل مجتمع، وهو مضمون ورقتنا هذه.
2- تعريف المصطلح، وتاريخه:
«العقد الاجتماعي» مصطلح جديد نشأ في النصف الثاني من القرن السابع عشر (مع هوبز وجون لوك) وترسّخ أكثر مع جان جاك روسو في القرن الثامن عشر. إلا أن أصل الفكرة أقدم من ذلك وتعود إلى سقراط في محاورته كريتون في القرن الرابع قبل الميلاد. رأى سقراط، غير بعيد عن المفهوم الحديث للعقد الاجتماعي، أن هناك اتفاقاً غير مكتوب بين الفرد والدولة، تقوم الدولة بموجبه بتوفير الحماية والمنفعة للمجتمع، ويتخلى الفرد بالمقابل عن بعض حريته للدولة، فيخضع لها ويقبل حتى العقوبات التي قد تفرض عليه.
في نظرية جون لوك، العقد الاجتماعي هو تعاقد بين المواطنين، وبين المواطنين والحكومة، تتحدد بموجبه حقوق كل طرف وواجباته. في البدء، يرى لوك، كان هناك «حال الطبيعة» state of nature، حيث الناس تعيش أقرب إلى الفوضى، إلى أن تشكّل في كل مجتمع مع صعود العقل وبما يقرب من الإجماع «عقد اجتماعي» وذلك بأن قارنوا منافع المجتمع المنظم بفوضى حال الطبيعة، وحددوا بالتالي أية شروط تبدو الحكومة معها مفيدة ويجب قبولها طوعاً كإلزام أخلاقي؛ فنشأ عقد اجتماعي يحقق الحقوق الأساسية للمواطنين، وكذلك واجباتهم. الحقوق الأساسية للفرد، حسب لوك، ثلاثة: الحق بالعيش، الحق بالحرية، والحق بالمُلكية. الحقوق الثلاثة هي التي أصبحت لاحقاً أعمدة الليبرالية الحديثة، وبالمعنى الواسع. هو أول تأسيس نظري لليبرالية الحديثة على أنقاض النظام الإقطاعي للعصر الوسيط.
نظرية روسو في العقد الاجتماعي تختلف قليلاً.
كان الناس في حال الطبيعة أفراداً أكثر حرية وسعادة. والجملة التي يفتتح روسو بها كتابه «العقد الاجتماعي» هي «وُلد الإنسان حرّاً، فيما هو الآن في القيود في كل مكان.» فالناس حين دخلوا في وحدات اجتماعية (كالأسرة والجيران والمدينة) جلب ذلك لهم التباغض والتحاسد والمنافسة فخسروا بعض حريتهم وفرديتهم وسعادتهم. ثم جاءت الملكية الفردية فكانت خطوة أخرى نحو اللاعدالة والفوضى، وجعلت الحكومة والقانون ضروريين لحماية الملكية الفردية تلك. وعليه كان «العقد الاجتماعي» ضرورياً ليخدم غايتين: الأمان لكل فرد، والحق بالملكية لصاحب الحظ في ذلك. وهكذا بدا العقد أميل للأغنياء على حساب الفقراء، ولم يتوقف بالتالي سعي أولئك لتصحيح الخلل من خلال عقد أفضل ينال فيه الأفراد مقابل فقدانهم لاستقلاليتهم مساحة أكبر من الحرية وتحديداً حرياتهم السياسية. وذلك لا يتحقق إلا في مجتمع مدني حصراً، يضمن حقوق المواطنين ورفاههم. إلا أن ذلك يتضمن لما يسميه الإرادة العامة General will، الأعلى من الأفراد، والذي ستمثله الدولة. وعليه فالدولة كائن أخلاقي تقوم حياتها باتحاد الأفراد، قوامها تطبيق الإرادة العامة، وغايتها الأخيرة الحرية والمساواة لمواطنيها.
لكن روسو يستدرك بالقول أنه حين تنقض أية حكومة سلطة الشعب، ينكسر العقد الاجتماعي، ولا يعود المواطنون ملزمين بطاعة الحكومة تلك، بل إن الإلزام الأخلاقي في الحالة تلك يقضي أن يتمردوا على الحكومة. هو ما أعطى الشرعية الأخلاقية التي مهدّت للثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789.
نخلص من المراجعة التاريخية، إلى التعريف بالعقد الاجتماعي.
تعريفات العقد الاجتماعي، بالمعنى المستخدم في هذه الورقة، جميعها متشابهة أو متقاربة؛ هو في أحدها: «اتفاق agreement على تنظيم العلاقات بين المواطنين أنفسهم، أو بين المواطنين والحكومة». العقد الاجتماعي بهذا المعنى هو دستور البلاد، ينضاف إليه القوانين الأساسية، من مثل القانون الذي يرعى الحقوق والواجبات، القوانين المتصلة بالملكية، القانون الانتخابي، وما شابه.
وفي تعريف ثانٍ يكمل الأول، هو: «توافق بين أفراد الجماعة أو المجتمع، وبملء إرادتهم، على التعاون معاً لتحقيق منافع اجتماعية».
الأفراد يتوافقون إذاً (ولو فرضيّا في الواقع) على التسليم طوعاً لحكومة، أي لسلطة أو دولة، تتولى تحقيق الخير العام الذي يؤمن في الوقت نفسه الخير الخاص بكل فرد.
لكن التعريف ليس بسيطاً، فهو يتضمن الكثير من المبادئ التي أصبحت في صلب الدساتير الحديثة، منذ نجاح الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789.
أحد المبادئ تلك، هو أن توافق الأفراد ذاك ليس أمراً شكلياً أو إجرائياً، بل هو المدخل الأخلاقي والسياسي لتأسيس السلطة أو «الحكومة»، وفق أول استخدام من جون لوك في مقالته On Government. وثاني المبادئ أنهم في خيارهم ذاك أحرار، وبملء إرادتهم، وليس بسببٍ من أية قوة فوقية مقدسة فرضت عليهم ذلك (في نقض مباشر لنظرية الحق الإلهي للملوك التي كانت سائدة في القرون الوسطى، والتي يبدو لا يزال معمولاً بها عندنا). ثالث المبادئ هو أن العقد يهدف إلى الخير العام أو المصلحة العامة، لكنه يهدف في الأصل، وقبل الخير العام، إلى الخير الخاص أو المنفعة الخاصة لكل فرد في المجتمع وبما لا يتناقض مع مصلحة الأفراد الآخرين؛ وتتولى ذلك حكومة تنظّم الحدود بين الخير العام والخير الخاص. وعلى ذلك وكما أشار روسو بوضوح فحين يتوقف العقد الاجتماعي عن توفير خير الأفراد في المجتمع يغدو هؤلاء في حلّ منه، بل أكثر من ذلك، يقول روسو، يصبح واجبهم الأخلاقي «التمرد» على الحكومة التي احتكرت الخير العام وحالت دون توزيع الخير الخاص على نحو عادل بين أفراد المجتمع. أما رابع المبادئ الكبرى التي أفرزتها فكرة «العقد الاجتماعي» فهي تأسيسها لمبداً المواطنية Citizenship في المجتمع؛ أي أفراد المجتمع مواطنون أمام حكومة شرعية انتخبوها بحرية وبملء إرادتهم، وليسوا رعاياتحت أي يافطة أو تبرير. والمبدأ السادس والأخير أن الغاية الأخيرة المعلنة والمضمرة من العقد الاجتماعي في المجتمع هو تحقيق رفاه المواطنين وسعادتهم وخيرهم في إطار من السلم والعلاقة السلمية التعاونية بالآخرين، أفراداً أو مجتمعات. وكان كانط أواخر القرن الثامن عشر أول من أشار في منشوره  أسماه «مشروع للسىلام الدائم» أن هذا الاستقرار في العلاقة داخل كل مجتمع، والتعاون لا الحرب بين المجتمعات المختلفة يجب أن يؤسس لسلام عالمي.
المبادئ هذه، وسواها مما يشبهها، غدت في صلب الدساتير الحديثة، ثم غدت في أساس فكرة نشوء مؤسسة عالمية ترعى تنفيذ العقد الاجتماعي وتقف على كل انتهاك له. فكانت أولاً عصبة الأمم في جنيف سنة 1918، ثم على نطاق أوسع الأمم المتحدة UN سنة 1945، وكان أبرز إنجازاتها على مستوى الحق العام الدولي والقانون الدولي إصدار هيئتها العامة في كانون أول 1948 لـ«إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الذي تضمن 30 مادة هدفت إلى الإعلان الصريح المحدد للحقوق الأساسية المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل مواطن في العالم لجهة العيش بكرامة في جماعة سياسية أو وطنية، إلى سائر حقوقه في العمل والتملك والتنقل والتعبير بحرية من دون عراقيل، ضمن منطوق القوانين العامة الصالحة التي ترعى ذلك. ولأن هذا الإعلان كان عاماً وغير ملزم، استتبعت الأمم المتحدة الإعلان ذاك بمعاهدتين ملزمتين صدرتا معاً سنة 1966، تناولت الأولى كفالة الحقوق المدنية والسياسية فيما تناولت الثانية الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
هذا في المصطلح وتاريخه، فماذا عن العقد الاجتماعي في الحالة اللبنانية؟

* عميد سابق لمعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية


أخبار ذات صلة

قبلان: الشكاوى لا تفيد الضعفاء
إيران تنفي نفيا "قاطعا" أي علاقة بمنفذ الهجوم على سلمان [...]
الخطيب إستنكر الغارات الإسرائيلية على سوريا وانتهاكها الاراضي اللبنانية