العميد الركن المتقاعد جورج جاسر
منذ أن رسمت خرائط الخليج العربي في سايكس -بيكو، ظلّ مضيق هرمز يحتل مكانةً استثنائية في حسابات الأمم وتوازناتها. لكن ما يشهده العالم اليوم يتجاوز في خطورته كل ما عرفته المنطقة من مواجهات؛ إذ باتت جزيرة خرج الإيرانية — التي تقع على بُعد خمسة وعشرين كيلومتراً من الشاطئ الإيراني — في قلب أخطر لعبة جيوسياسية منذ عقود. فهذه الجزيرة التي تمرّ عبرها ما بين تسعين وخمسة وتسعين بالمئة من صادرات إيران النفطية باتت الورقة المركزية في صراع تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع مصائر شعوب المنطقة بأسرها، في وقت تتصاعد فيه التكهنات بأن واشنطن تُلوّح بالسيطرة عليها ذريعةً لما تسمّيه تأمين المضيق.
غير أن هذه الذريعة لا تصمد أمام التحليل الدقيق. فتأمين هرمز الممتد أربعمئة وثمانين كيلومتراً بين شاطئين لا يتحقق بالسيطرة على جزيرة واحدة مهما بلغت أهميتها الاقتصادية؛ إذ يستلزم تطهيراً بحرياً مستمراً من الألغام التي تستطيع إيران زرعها في غضون ساعات، وسيطرةً جوية دائمة تحول دون انطلاق الصواريخ الساحلية نحو الناقلات، وحضوراً بحرياً ضخماً لا يتوقف ليل نهار. خرج إذن ورقة خنق اقتصادي هائلة تضغط على الوريد النفطي لطهران لا أكثر، وهذا ما يجعل الذريعة الأميركية المُعلنة أقرب إلى الغطاء السياسي منها إلى الهدف العسكري الحقيقي — فخرج ليست نهاية اللعبة بل بدايتها.
وحين تطأ القوات الأميركية أرض خرج فإنها لا تدخل جزيرةً منزوعة السلاح، بل تتحوّل فوراً إلى هدف ثابت في مرمى منظومة عسكرية إيرانية أعدّت لهذا السيناريو منذ عقود. فقد صقّل الحرس الثوري خططه عبر تجارب متراكمة في مواجهة القوات الأميركية بالعراق وأفغانستان، وبنى منظومة قيادة لامركزية تعمل حتى بعد إزالة رأسها عبر أربعة مستويات من البدلاء القياديين. وقد أثبت الحرس فعلياً قدرته على ضرب القواعد الأميركية في البحرين وقطر والإمارات في آنٍ واحد، مطلقاً موجات صاروخية متتالية لم تتوقف. وهو ما يكشف أن طهران تنظر إلى الوجود البري الأميركي في الجزيرة لا بوصفه تهديداً تسعى لصدّه، بل فخاً تنتظر أن يقع فيه خصمها.
لكن إيران لا تحارب بمعركة واحدة على جبهة واحدة؛ فاستراتيجيتها مبنية على تصدير الأزمة وتوسيع دائرتها حتى يصبح ثمن المواجهة أكبر مما تطيقه واشنطن. فصواريخها الباليستية والكروز تطال منشآت أرامكو السعودية، والقواعد العسكرية وبعض الاصول الاميركية في كل من الامارات والكويت وعمان وقطر وقد تلقّت حسب احصاءات human rights watch اكثر من الفي صاروخ بالستي مسيّرة في أسابيع المواجهة، أضف اليها إمكانية قطع الكوابل البحرية المتعلق بشبكة الإنترنت لدول الخليج ،فيما وجّهت طهران إنذاراً عاجلاً بإخلاء منشآت نفطية وبتروكيماوية في ثلاث دول خليجية، محوّلةً أراضيها من ساحة استضافة آمنة للقواعد الأميركية إلى خطوط مواجهة مباشرة تعيشها شعوبها يومياً وتدفع ثمنها من أمنها واستقرارها.
على الجبهة الغربية، يبقى حقل كاريش الغازي ورقةَ ضغطٍ مزدوجة بيد طهران؛ فاستهدافه لن يُوجع إسرائيل وحدها، بل سيُشعل أزمة طاقةٍ أوروبية خانقة تُرغم القارة على المطالبة بوقف الحرب، فتُحقق طهران بضربةٍ واحدة هدفين في آنٍ معاً. ويبقى السؤال معلقاً: هل ستستجيب واشنطن للمطلب الأوروبي وهي التي رفضت أوروبا الانخراط معها في تأمين مضيق هرمز؟. ومن يظن أن الأزمة تقف عند الخليج والمتوسط يغفل المتغير اليمني الذي يُكمل الحصار من جهته الثالثة؛ فالحوثيون هم الذراع الإيرانية في باب المندب الذي يمرّ عبره عشرة بالمئة من تجارة النفط العالمية، وتتجه 98% منها نحو قناة السويس التي خسرت نحو اثني عشر مليار دولار جراء التوترات الأمنية في عامَين فحسب.
هكذا تُحاصَر شرايين الطاقة العالمية من ثلاث جهات في آنٍ واحد — هرمز في الشرق وكاريش في الغرب وباب المندب في الجنوب — في منظومة حرب شرايين لم يسبق للعالم أن واجه مثيلها. ويزيد المشهد تعقيداً ذلك الشرخ الخليجي الداخلي الذي تفجّر سابقا وعلنا، بين الرياض وأبوظبي حول الملف اليمني، وبلغ حدّ قصف شحنة إماراتية متجهة إلى اليمن. فالإمارات تسعى لبناء ممر نفوذ يمتد من القرن الأفريقي حتى هرمز، في حين تريد الرياض احتكار إدارة الملف اليمني ورقةً في مواجهتها مع طهران. وفي اللحظة الأكثر حاجةً إلى التنسيق الخليجي يجد الحلفاء أنفسهم منقسمين، مما يُبطئ الرد الجماعي ويُضعفه.
أما اللاعب الأكبر في هذه المعادلة فلا يظهر على الخط الأمامي للمواجهة بل يُديرها بهدوء من وراء الستار. الصين التي تستورد ٣٨٪ من نفطها عبر مضيق هرمز ترى في أي مظلة أميركية على المضيق تهديداً مؤثراً لأمن طاقتها الوطنية. خياراتها تتدرج من فرض الفيتو في مجلس الأمن وتسريع التخلي عن الدولار في صفقات النفط، إلى تزويد إيران بدعم استخباراتي وعسكري غير مباشر، وصولاً إلى إرسال سفن حربية إلى الخليج بذريعة حماية الملاحة الدولية. والمفارقة العميقة أن الصين رغم ألمها القريب من اضطراب إمداداتها النفطية تجني على المدى البعيد ما هو أثمن ونظرا لاعتمادها على مصادر اخرى للطاقة — وقتاً ثميناً لإكمال بنائها التكنولوجي والعسكري بعيداً عن الضغط الأمير كي الكامل.
وإذا شعرت بكين أن واشنطن تسعى اللهيمنة الكاملة على هرمز فقد تُسرّع في تكريس تحالف مع موسكو وطهران يُحوّل الأزمة الإقليمية إلى مواجهة مفتوحة بين قطبَي القرن الحادي والعشرين. غير أن المفارقة الأكثر مرارةً في هذا الصراع كله تكمن في المستفيد الأكبر بلا منازع — روسيا. فكل دولار ترتفع به أسعار النفط ربحٌ صافٍ لموسكو المحاصرة بالعقوبات، وكل حاملة طائرات أميركية تنشغل في الخليج تخفيفٌ للضغط عن جبهتها في أوكرانيا، وكل اضطراب في المنظومة الدولية تسريعٌ لتآكل الهيمنة الأميركية التي تسعى موسكو إلى تقويضها منذ عقود، من دون أن تتكبّد خسارةً واحدة مباشرة في هذه الحرب.
وإلى جانب روسيا والصين يبرز رابحٌ صامت نادراً ما تذكره التحليلات: شركات النفط والسلاح الأميركية التي تجني أرباحاً استثنائية من ارتفاع الأسعار ومن صفقات التسليح الضخمة التي تُبرمها دول الخليج الخائفة بمئات المليارات. في المقابل تقف دول الخليج خاسرةً رغم أنها في قلب المواجهة — فهي تستضيف القواعد الأميركية وتدفع ثمن الحرب على أراضيها وفوق سمائها، بينما تُدير القوى الكبرى لعبتها من بعيد. وهنا يُطرح السؤال الأعمق: هل تسعى واشنطن فعلاً إلى توسيع رقعة النزاع عمداً لتتفرغ لمواجهة الصين في المحيط الهادئ، تاركةً المنطقة تحترق بنيران أشعلتها يدٌ بعيدة؟
أمام أميركا ثلاثة مسارات للخروج لا رابع لها:
-الانسحاب التدريجي بالوكالة عبر دفع دول الخليج لتحمّل عبء المواجهة.
-التسوية الدبلوماسية الكبرى التي تشمل الملف النووي والنفوذ الإيراني برعاية دولية تُشرك الصين-وروسي.
-تدويل أمن المضيق بضمانات أممية.
غير أن التاريخ يُعلّمنا أن واشنطن لا تُبادر إلى الخروج قبل أن تغوص وتترك وراءها فوضى مركبة وازمات معقدة يصعب حلها . وما يجعل هذه اللحظة استثنائيةً حقاً هو تزامن إيران على حافة الانهيار الاقتصادي، والصين في ذروة صعودها، وروسيا المستفيدة من كل دقيقة انشغال أميركي، والخليج منقسماً على نفسه. تزامنٌ يجعل أي شرارة قادرةً على إشعال حريق لا تستطيع أي قوة كبرى السيطرة على نيرانه — لأن من يُشعل الفوضى في شرايين الطاقة العالمية لا يستطيع دائماً أن يختار متى تنتهي.