زياد سامي عيتاني
تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع زلزال جيوسياسي متلاحق يعيد رسم خطوط الصدع الاستراتيجية التي استقرت لعقود طويلة. ولم يعد خافياً على مراقبي التحوّلات الدولية أن الصيغ التقليدية لإدارة الأزمات، والتي كانت ترتكز تاريخياً على التدخّلات العسكرية المباشرة للقوى الدولية أو الاعتماد شبه الكلي على المظلة الأمنية الأميركية، قد دخلت طور الأفول الشامل. وتجد القوى الإقليمية الوازنة نفسها اليوم مضطرة للاعتماد على الذات، وسدّ الفراغات الاستراتيجية الناجمة عن إعادة تموضع القوى العظمى، وتوجيه تركيزها الدولي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ والصراع المحتدم في شرق أوروبا.
وفي قلب هذا المخاض المعقّد، تبرز إلى العلن ملامح حراك رباعي واعد يجمع أربع عواصم من أثقل القوى الجغرافية والعسكرية والسياسية في العالم الإسلامي: القاهرة، والرياض، وأنقرة، وإسلام آباد. هذا الحراك الدبلوماسي المكثف، الذي تمثل في لقاءات تشاورية رفيعة لوزراء خارجية الدول الأربع، لا يمكن التعامل معه كحدث عابر أو تحالف تكتيكي مؤقت فرضته ظروف آنية؛ بل إننا أمام إرهاصات حقيقية لولادة منظومة إقليمية مُقَررة وفاعلة، تسعى بوضوح إلى صياغة «أمن إقليمي مستقل» يدير أزمات المنطقة من الداخل، ويمنع تدويلها بما يضر بالمصالح العليا والمشتركة لهذه الدول.
وتتجلّى أولى اختبارات النجاح لهذه الرؤية المشتركة في الهندسة الدبلوماسية الدقيقة التي واكبت جهود خفض التصعيد العسكري في المنطقة، لا سيما في الممرات المائية الحيوية ومحاور الاشتباك الإقليمي. ولم تكن هذه التفاهمات وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة جهود وساطة باكستانية محورية، بتنسيق دبلوماسي وسياسي عالي المستوى مع مصر والسعودية وتركيا، لضمان ألا تأتي أي تسوية دولية في المنطقة على حساب أمن واستقرار دول المشرق العربي والخليج، ولتأكيد أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تمرّ حتماً عبر بوابة القبول الإقليمي المشترك.
إن ما يجعل هذا التكتل الإقليمي لاعباً رادعاً ومقرراً في معادلات القوى العالمية، هو امتلاكه لعناصر تفوق استراتيجي فريدة تتكامل فيها الجغرافيا السياسية مع المال، والسلاح التقليدي مع العمق البشري والقدرة الردعية العالية. فوفقاً لتقارير معاهد الدراسات الاستراتيجية والدفاعية (مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام - SIPRI)، فإن القدرات العسكرية المجمعة لهذه الدول الأربع تضعها مجتمعة في مصاف القوى الكبرى عالمياً، مما يمنحها قدرة غير مسبوقة على فرض الاستقرار.
مصر تشارك في هذه المعادلة بصفتها العمق الجيوسياسي والتاريخي الحاضن، وهي التي تمتلك واحداً من أكبر الجيوش التقليدية وأكثرها جاهزية في المنطقة، فضلاً عن تحكمها الإستراتيجي بقناة السويس التي يمرّ عبرها نحو 12% من حركة التجارة العالمية، مما يجعل القاهرة صمام أمان الملاحة الدولية وخط الدفاع الأول عن أمن البحر الأحمر. وتضيف المملكة العربية السعودية إلى هذه المعادلة ثقلها المالي والاقتصادي الضخم كعضو فاعل في مجموعة العشرين (G20)، وقدرتها التنافسية الفائقة في توجيه أسواق الطاقة العالمية والاستثمارات العابرة للحدود، فضلاً عن قيادتها الوازنة وروابطها الروحية والدبلوماسية في العالمين العربي والإسلامي.
أما تركيا، فتمثل الجسر البري والعسكري الرابط بين الشرق والغرب، وعضواً فاعلاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتتميز اليوم بقفزة هائلة في مجال التصنيع الدفاعي والتكنولوجي المستقل، حيث أثبتت صناعاتها العسكرية المتقدمة قدرة عالية على التأثير في ساحات صراع متعددة وتغيير قواعد الاشتباك. وتكتمل هذه اللوحة بجمهورية باكستان الإسلامية، التي تمنح هذا التكتل عمقاً استراتيجياً وقدرات ردع متطورة تجعله محصناً ضد الضغوط الخارجية، بالإضافة إلى خبرتها الدبلوماسية الفريدة وقنواتها المفتوحة مع القوى الدولية المؤثرة في الشرق والغرب على حد سواء.
وفي الوقت الذي تتجه فيه هذه الأطراف نحو تعزيز لقاءاتها التشاركية وبحث آفاق مأسستها وتحويلها إلى إطار دائم، تبدو جبهات عمل هذا المحور ممتدة لتشمل كافة الملفات الساخنة في المنطقة. وتتصدر صياغة مستقبل الاستقرار جدول الأعمال؛ حيث يشدد هذا المنظور الرباعي على محددات حاسمة تشمل الالتزام الصريح بمبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، والوقف الفوري لدعم الميليشيات المسلحة والفاعلين من غير الدول، وضمان حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر كخط أحمر لا يقبل المساومة، استناداً إلى القرارات الأممية والاتفاقيات الدولية المنظمة للممرات المائية.
وعلى صعيد الأزمات الإقليمية المزمنة، يمتد دور هذا التحرك ليشمل التدخل الفعال لإعادة بناء الدول المنهكة جراء النزاعات والحد من التدخّلات الخارجية الهدّامة. ففي الملف الليبي، تتلاقى الرؤى لدفع خارطة الطريق السياسية نحو انتخابات وطنية برلمانية ورئاسية متزامنة، مع ربط الاستقرار بالخطوات التنفيذية على الأرض، مثل توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية، ومكافحة الإرهاب، لدمج ليبيا ضمن منظومة الأمن الإقليمي.
أما على الجبهة السودانية، فتبذل القاهرة والرياض جهوداً حثيثة لاحتواء الأزمة الإنسانية والعسكرية وتجنب تفكك مؤسسات الدولة الوطنية. وينطلق هذا الدور من خلال الضغط المستمر في المحافل الدولية وفرض صيغ تفاوضية ملزمة للأطراف المتحاربة، ترتكز على مبادئ «إعلان جدة» لحماية المدنيين، والوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، والعودة إلى مسار سياسي انتقالي شامل يحفظ وحدة السودان وسلامة أراضيه.
ورغم الانشغال بهذه الملفات الأمنية المعقّدة، فإن الرؤية المشتركة تؤكد بصورة قاطعة أن القضية الفلسطينية تظل في صميم الجهود الرامية لتحقيق أي سلام عادل، وتشكل الركيزة الأساسية لبناء نظام إقليمي مستقر. ويأتي الدعم الحازم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية.
إن المحطات التشاورية المتنقلة تعكس إستراتيجية مدروسة ومتدحرجة نحو تنسيق هذا التحالف عبر لجان فنية مستدامة لعقد اجتماعات دورية تتسع لملفات أمنية، واقتصادية، واستثمارية مشتركة. ويسعى الجانب الاقتصادي هنا إلى ربط «رؤية السعودية 2030» بالمشاريع التنموية الكبرى في مصر، والممر الاقتصادي الباكستاني - الصيني (CPEC)، وشبكات التجارة التركية نحو أوروبا، مما يخلق شبكة من المصالح المتبادلة المعقدة التي تحمي التوافق السياسي وتمنحه ديمومة واستقراراً جيل بعد جيل.
إن ولادة هذا المحور الإقليمي يمثل صياغة عملية لواقع جيوسياسي جديد في الشرق الأوسط، يُدار بأيدي قواه الكبرى ووفقاً لمصالح شعوبه الإستراتيجية. ومن خلال امتلاك هذه العواصم لأوراق القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، فإنها تضع نفسها كلاعب أول ومقرر لا يمكن تجاوزه في رسم توازنات المستقبل، وبناء مظلة أمنية واقتصادية قادرة على تحويل المنطقة من ساحة للصراعات الدولية إلى مركز للنمو والاتصال الجغرافي العالمي.