29 تشرين الثاني 2025 12:00ص واجب الأمم المتحدة في حماية الشعب الفلسطيني

حجم الخط
في اليوم العالمي لفلسطين بتاريخ 29/11/2025، لا بد من التأكيد على أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرّد ملف سياسي متروك لتقلبات التوازنات الدولية، بل باتت قضية قانونية وإنسانية ذات طابع استعجالي، تُلزم المجتمع الدولي بتحمّل مسؤوليّاته. ويُبرز هذا الواقع حجم الانفصال بين مبادئ القانون الدولي المعلَنة وبين التطبيق العملي الذي يتراجع أمام الضغوط السياسية.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن غياب العدالة لم يعد مجرد خلل ظرفي، بل أصبح نتيجة مباشرة لفشل المنظومة الدولية في فرض قواعد المساءلة على الاحتلال. ويؤدي هذا الفشل إلى إضعاف النظام القانوني الدولي برمّته، لأنه يسمح باستمرار الانتهاكات بلا رادع.
تُشكّل الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، بما فيها الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، انتهاكات موثّقة من قبل لجان تقصّي الحقائق وهيئات الأمم المتحدة. وهذه الوقائع لا تترك مجالاً للشك من الناحية القانونية، إذ تنطبق عليها التعريفات الصريحة للجرائم الجسيمة وفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إلّا أن منظومة المساءلة تبقى عاجزة عن التحرك رغم الأدلة، وهو ما يعكس حجم العرقلة السياسية التي تُفرّغ القانون الدولي من مضمونه. ويُعد هذا العجز شكلاً من أشكال التواطؤ غير المباشر، لأنه يسمح باستمرار الجرائم وتوسّعها.
إن تفعيل الآليات الأممية بات ضرورة قانونية وليس خياراً سياسياً، ولا سيما اللجوء إلى الجمعية العامة ضمن إطار «الاتحاد من أجل السلام»، وإنشاء آلية دولية مستقلة لحفظ الأدلة، وفرض تدابير ملزمة لوقف الجرائم. فهذه الإجراءات وحدها قادرة على إعادة الاعتبار لمنطق المحاسبة ومنع طمس الحقيقة.
وفي الوقت الذي يدّعي فيه المجتمع الدولي تمسّكه بحل الدولتين، يواصل الاحتلال تنفيذ مشروع توسّعي يهدف إلى فرض أمر واقع يستند إلى نسخة محدّثة من مشروع «إسرائيل الكبرى».
وتؤكّد الوقائع الميدانية أن هذا المشروع يسعى إلى القضاء على مقومات الدولة الفلسطينية تدريجياً عبر الضمّ والتهويد والتجزئة الجغرافية.
يعمّق الاستيطان كل يوم هذا الواقع، وتستمر سياسات الضمّ والتهويد وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، ما يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً شبه مستحيل في ظلّ المعطيات الراهنة.
ويعني ذلك من الناحية القانونية أن الاحتلال يعمل على إلغاء الحق الفلسطيني على الأرض بطريقة ممنهجة ومتدرّجة.
أما ملف الأسرى الفلسطينيين، فهو جرح قانوني مفتوح يكشف البنية القمعية داخل منظومة الاعتقال.
وتُثبت الشهادات والتقارير الدولية أن الاعتقال يُستخدم كأداة سياسية لا كإجراء قانوني، في مخالفة صارخة لقواعد العدالة الجنائية الدولية. فالتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي ووقوع وفيات داخل السجون ليست ممارسات فردية، لكنها نتائج مباشرة لسياسة ممنهجة تتعارض مع اتفاقيات جنيف ومعايير الأمم المتحدة الخاصة بمعاملة السجناء. وهو ما يحتّم فتح تحقيق دولي مستقل ومُلزم لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
وفي ظلّ هذا المشهد المركّب، تصبح الوحدة الوطنية الفلسطينية واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل.
فاستمرار الانقسام لا يضعف الموقف السياسي فحسب، بل يعرّض الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني للتآكل.
ورغم تعدّد الاتفاقات ومحاولات المصالحة، لم يُترجم أي منها إلى واقع فعلي، فيما يستفيد الاحتلال من الانقسام لتعزيز مشاريعه على الأرض. ويشكّل تجاوز هذا الانقسام شرطاً جوهرياً لبناء استراتيجية فلسطينية موحّدة قادرة على الصمود والمواجهة. إن توحيد الجهود الوطنية، على المستويين السياسي والقانوني، هو الأساس لحماية القضية الفلسطينية في مواجهة محاولات تصفيتها، وهو ما يستدعي إرادة حقيقية تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة. فالقانون الدولي يمنح قيمة إضافية للحقوق حين تكون مدعومة بإجماع وطني صلب وواضح.
ختاماً، فإن اليوم العالمي لفلسطين ليس مناسبة رمزية فحسب، بل محطة لتجديد الالتزام القانوني والأخلاقي تجاه شعب يتعرض لانتهاكات ممنهجة منذ عقود. والمطلوب اليوم هو فعل دولي حقيقي يضع حدّاً للإفلات من العقاب ويعيد الاعتبار لمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية. كما يقع على الفلسطينيين واجب استعادة وحدتهم الوطنية لتعزيز قدرتهم على الدفاع عن حقوقهم في المحافل الدولية، ولتحويل صمودهم على الأرض إلى قوة قانونية وسياسية فاعلة.
فالقضية ما زالت حيّة، والحق ما زال ثابتاً، والعدالة ستظل الهدف الذي يسعى إليه كل حرّ مهما طال الزمن. أصبحت الكتلة التاريخية الشعبية العربية أمراً ضرورياً لإقامتها وذلك لنهوض الأمة العربية ووقوفها بوجه أعدائها والانتصار عليهم.

* الأمين العام لاتحاد المحامين العرب (سابقاً)
المنسق العام للجنة الوطنية للدفاع عن الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني