شربل الغاوي*
في بحر الدراما اللبنانية المتلاطم، حيث تتقاذف الموجات بين الأصالة والتجديد، بين الالتزام والانجراف، يظل هناك قبطان ماهر، يعرف كيف يبحر بالسفينة وسط العواصف، وكيف يرسو بها على شواطئ الإبداع. إنه الفنان القدير أحمد الزين، الذي ما إن يطلّ على الشاشة حتى نشعر أن الوطن قد دخل بيوتنا، وأن صوت الأرض قد وصل إلينا محمولاً على نبراته الدافئة ونظرته الحانية.
ليس مجرد ممثل، بل حالة فنية خاصة، مدرسة قائمة بذاتها، أيقونة تحكي وجع الناس، وتجسّد حكاياهم بكل ما فيها من فرح وألم، انتصار وانكسار. حين يتحدث، لا يلقي بالحوار كأي ممثل آخر، بل ينطقه بصدق العارف، بوجدان الحكيم، وبحكمة الأب الذي خبر الحياة وسبر أغوارها. إنه الصوت الصادق، الحضور الطاغي، والروح التي تسبغ على الشخصية أبعاداً تتجاوز النص، فتمنحها الحياة والتاريخ والعمق.
الرّيس القبطان يحيى... دور لا يُنسى
في مسلسل «نفس»، يجسّد أحمد الزين شخصية الرّيس القبطان يحيى، قائد السفينة، وربّان الرحلة الذي يحمل في قلبه أسرار البحر وحكايا الموج، كإنما هو إسقاطٌ على شخصيته الحقيقية، فهو في الدراما كما في الحياة، القائد الذي يوجه البوصلة، والمعلم الذي يروي الحكايات، والمرشد الذي لا يخطئ الطريق.
قبطان، لكن ليس كأي قبطان، فهو لا يقود السفينة فحسب، بل يقود النفوس، يحاور الأرواح، يقرأ في ملامح من حوله صفحات لم تُكتب بعد. كل نظرة من عينيه تحمل رسالة، كل كلمة تخرج من فمه تحمل معنى، وكل صمت بين جملتين يحكي أكثر مما تحكيه الحروف. إنه رجل الحكمة في كل دور، والذاكرة الشعبية التي تحفظ مآسي الوطن وانتصاراته، والممثل الذي لا يؤدي الدور بل يعيشه حتى آخر نفس.
أحمد الزين... فنان لبنان الأول
إنه ابن البلد، ابن التراب الذي يعرف قيمة الأرض والإنسان، لذا حين يتقمّص دور الفلاح، نراه يعجن كلماته بطين الأرض، وحين يكون القائد، تتجلّى في نبرته ملامح الزعيم الحكيم، وحين يجسّد الرجل البسيط، تتجسّد فيه طيبة أهل الحيّ. لم يكن يوماً ممثلاً يؤدي أدواراً، بل كان دائماً صوتاً صادقاً يروي الحكايات كما لو أنها خرجت من قلبه لا من نصٍ مكتوب.
أحمد الزين ليس مجرد فنان مرّ على الدراما اللبنانية، بل هو جزء منها، روحها الحيّة، ونبضها الصادق. هو ذاك الوجه الذي كلما أطلّ، شعرنا أن لبنان حاضر، بكل مجده وهمومه، بكل أفراحه وأوجاعه. إنه المرآة التي تعكس هوية هذا الوطن، والسفينة التي تبحر بنا إلى عمق قضاياه، دون أن تغرق أبداً، لأن ربانها متمرّس، خبير، ويدرك أن الفن رسالة، وليس مجرد مشهد ينتهي بانطفاء الأضواء.
دمعته... ضحكته... إنسانيته
قد يبكي أحمد الزين في مشهد، لكن بكائه ليس مجرد دموع تسيل، بل هو نحيب وطن بأكمله، هو اختصار لمعاناة أجيال، هو تأريخ للحظات من الألم الجماعي. وحين يضحك، فهو لا يضحك فقط، بل يجعلنا نشعر أن الضحكة في حد ذاتها مقاومة، أن الفرح رغم كل شيء ممكن، وأن الأمل لم يغب بعد.
إنسانيته تتجاوز الأدوار، فهو في الكواليس كما على الشاشة، الإنسان الذي يحمل قلباً نابضاً بالحب للناس والفن، المبدع الذي يؤمن أن الدراما ليست تجارة، بل أمانة، وأن على الفنان الحقيقي أن يكون صوت الناس، لا مجرد صدى لغيرهم.
تحية إلى قبطان الدراما اللبنانية
في زمن تغيّرت فيه ملامح الفن، وباتت الشاشة مزدحمة بأسماء لا تحمل بالضرورة قيمة، يبقى أحمد الزين هو ذاك النجم الذي لا يخفت، هو الحكيم الذي نستمع إليه بإجلال، هو القبطان الذي لا يخطئ الطريق.
تحية لهذا الفنان الكبير، لهذا الرّيس الذي قاد سفينة الدراما اللبنانية بإخلاص، لهذا القبطان الذي مهما اشتدّت العواصف، ظلّ شامخاً، قوياً، مؤثّراً، لا يتغيّر، لأن الفن الحقيقي لا يُهزم، بل يبقى خالداً في وجدان الأجيال.
* ناقد سينمائي