المتاهات الوطنية والإقليمية والدولية عميقة ومتشعبة، والتعمق في مآلاتها يقودنا إلى مزيد من الضياع، وعدم اليقين، والالتباس، ومحاولة فهم ما يحدث في بلدنا ومن حولنا باتت عملية عصية على القدرات الذهنية، الفردية منها والجماعية، وكلما حاولنا التعمق، ازداد القلق، واتسع الضياع، وتعاظم الارتياب من محاولات تبسيط ما يجري من جرائم وانتهاكات وتفكيك المجتمعات، وزوال القواعد والبديهيات، وبتنا نتنكر لمشاعرنا ومعاييرنا، وفهمنا لأنفسنا وللآخرين، والعجز عن التمييز بين الأصدقاء والاعداء.
المتاهة الكبرى تكمن في الإصغاء إلى ما يكتب وما يقال وما يذاع، وكيف يتأقلم الجميع، بكل ثقة، مع موجة هائلة من الانفصال عن الواقع، ومع أشكال متنوعة من الاغتراب الذاتي والتمرد على أبسط شروط السكينة والأمان، إلى حدود الالتباس المخيف بين الضحية والجلاد، وبين الحقيقة والادعاء، وصناعة الأوهام، باتت من ضرورات البقاء، لأن كل ما يحيط بنا يؤكد لنا أن لا أحد يعتبرنا بشرا أسوياء، وأننا مجرد فضلات وجودية، تجرى على أجسادنا ومشاعرنا كل الاختبارات، إلى حد أننا بدأنا نقتنع بأننا لسنا سوى فئران بيضاء في مختبرات الأقوياء.
القساوة التي نعيشها عصية على التعريف، وعلى الفهم، وعلى الإيضاح، إنها أيام نألف فيها الموت ونحن على قيد الحياة، ونصغي بأدب والتزام إلى كل ما يقلل من ضرورة وجودنا، ونعترف، بمرارة موجعة، بأننا بتنا نحتقر أنفسنا، وأوطاننا، وشركاءنا في الوطن والحياة، إنها أيام شديدة القسوة والخفة، نعرف فيها كيف نحتقر أنفسنا ونحتقر بعضنا، وكيف نتصرف كأننا مجرد فتات مواطنية.
الأيام القادمة ستكون أشد قسوة، حين يصحو كل هؤلاء الأقوياء، ويدركون أنهم كانوا اغبياء، لان القوة بعد استخدامها تفقد هيبتها، وتعريف الدولة القوية على مر التاريخ، يتمثل بامتلاك القوة وعدم الاضطرار الى استخدامها، والمنطقة والعالم تشهد موجات من الغوغائية و العنجهية والمظلومية، وعدم القدرة على استيعاب التطورات المحلية والاقليمية والدولية المعقدة، والتي جعلت لبنان ومجتمعات المنطقة تدخل في عملية تحولات عميقة غير واضحة المعالم والاتجاهات، وربما نكون امام.. أيام التيه.. يا لبنان.