المنطقة تعيش حالة من التحولات العميقة والتي نشهد ارتداداتها على المجتمعات المتصدعة في فلسطين وسوريا ولبنان وقد نشهد المزيد من التصدعات في دول اخرى خارج كل التوقعات ولا مفكر فيها، ويأتي انخراط الدول الكبرى في قضايا الدول الصغرى من اجل انتاج شرق اوسط جديد على قواعد مؤتمر مدريد للسلام ١٩٩١ وآلياته الثنائية والمتعددة، على ان تكون المفاوضات الثنائية بين المنتصر القوي مع المهزوم الضعيف والتفاوض على حدوده وسيادته ومياهه ووحدته مقابل انتقاله الى مائدة المفاوضات المتعددة الأطراف، حيث تجلس المجتمعات الفقيرة المشردة والمدمرة مع الدول الصناعية والاقتصادية الكبرى التي تعاني من كثافة المهاجرين وتأثيرهم الاجتماعي السياسي، وتعاني ايضا من التلوث المناخي نتيجة صناعات الطاقة الغير نظيفة والتي تريد انتقالها الى الدول الفقيرة حيث الايدي العاملة الرخيصة مما يريح مجتمعاتها من المهاجرين وبيئتها من التلوث ويعزز تنافسيتها في الحرب الباردة الدائمة، والدول الصناعية السبع اعلنت عن تخصيص مئات مليارات الدولارات من اجل اعادة اعمار وتحديث البنى التحتية في المجتمعات الفقيرة والمتوسطة .
لبنان بحاجة الى مقاربات سياسية بعيدة عن التفسيرات الوهمية للاهتمامات الدولية في القضايا الوطنية، لأن الدول الكبرى تعمل بوضوح تام على حماية مصالحها الاستراتيجية ومجتمعاتنا تجرعت مرات ومرات مرارات اختبارات التحولات الجيوسياسية، ولبنان اليوم بحاجة الى نخبة مجردة من الاوهام وقادرة على التقاط ما هو الممكن السياسي الان، والعمل على انتاج استراتيجية وطنية تقوم على (الانصاف والمصالحة) وتحرر الاجيال القادمة من اغلال الطائفية السياسية وثقافة الفشل وادارة الازمات وعمليات اعادة تكوين السلطة على حساب بناء الدولة اللبنانية القوية.
شهد لبنان موجات من الوحدة والمودة والتفاؤل والارتياح بعد انتخاب فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ودعوته السريعة الى استشارات نيابية وتكليف دولة الرئيس القاضي نواف سلام، وفي الأيام الماضية يصار الى توليد موجة من الكراهية والضجيج في لحظة وطنية اقليمية دولية بالغة الدقة والخطورة وتستدعي الكثير من الحكمة والمودة والتأمل والتعمق والاستفادة من الدروس السابقة والبالغة الكلفة على الاجيال المتعاقبة، من حروب ودمار واحتلالات ووصايات واغتيالات وانقلابات وعزل واقصاء وشغور وتعطيل وتصريف اعمال وانهيارات اقتصادية ومصرفية ومجتمعية وقطاعية وتربوية وخسارات ابداعية وميزات وطنية تاريخية، وامام تهيب مخاطر ومتاهات الانقسام والانتقام عاد اللبنانيين الى هواجس المحاكاة الذاتية عبر استشارات مواطنية افتراضية، وحفظ الله لبنان.