احترام
العقل اللبناني في زمن تداعي الدول وتفكك المجتمعات في المنطقة، يأتي في مقدمة
البديهيات والضرورات، لإن التحولات الطارئة والدقيقة تتطلب شجاعة تقبل الواقع كما
هو، لا كما نحب أن نراه، والعقل اللبناني يعرف ما مدى خطورة عدم التقاط اللحظة
الراهنة، بعد ان تجرع اللبنانيون كل أشكال القهر والعنف والانقسام، وسقوط مئات
الآلاف من الضحايا، وتهجير الطاقات الشبابية والنخب القطاعية، فيما بقيت السلطة
أسيرة الترف والوصايات والعصبيات، تتوارث الفشل بعد الفشل.
احترام العقل اللبناني، يحتاج الى عقول ناضجة، وقلوب نقية وخيال استشرافي خلاق،
والى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ومراجعة النتائج والأسباب، ومسح الأضرار والانجازات
وتحديد ما تبقى من طاقات بشرية وموارد طبيعية، وفي زمن الذكاء الاصطناعي وتدفق
المعلومات، المفترض ان يصبح الإنسان هو القيمة العليا، يفكر، ويحاسب، ويختار،
ويسأل، واحترام العقول اللبنانية، هو بمثابة عملية كشف صحي شامل للوطن ومكوناته
الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وإعلان حالة طوارئ وطنية عقلانية وأخلاقية
وسيادية.
احترام
العقل اللبناني، يستدعي التهيب والحذر والقدرة على التماسك امام انهيار المعاني
والقيم والمعايير والمواثيق والقوانين، وتلاشي التحالفات والصداقات الدولية،
بالإضافة الى تحولات الحرب الروسية الاوكرانية ومتاهات غزة، الى اعجوبة فنزويلا،
وذوبان جليد (غرين لاند)، الى ايران...؟، الى سوريا واليمن والسودان والعراق
وليبيا والصومال ولبنان، مما يستدعي القدرة على استيعاب كل تلك التداعيات
والمتغيرات التي تحدث خلال لحظات، وتجعل كل ما كان كأنه ما كان.
احترام
العقل اللبناني، يستدعي فهم معمق لكل التعقيدات الاقليمية والدولية التي تسببت
باعتماد لبنان ساحة صراعات بديلة، والذاكرة الوطنية مليئة بانتصارات وهزائم الكبار
والصغار على ارض لبنان، من انتدابات واحلاف واحتلالات ووصايات وجيوش دولية ومتعددة
الجنسيات ومنظمات مسلحة، وشهد اللبنانيون على خروجهم مهزومين بعد ان عبثوا
بالخصوصيات اللبنانية، وحولوا الثوابت السيادية الى مسائل ثانوية، وقدموا عملية
اعادة تكوين السلطة على بناء الدولة الوطنية، ان خلاص لبنان يبدأ من استنهاض
الطاقات من كل الاجيال القادرة على التمييز بين الممكن والمستحيل في كافة المجالات
والقطاعات، وقادرة على احترام العقل اللبناني.