يتكون الاقتصاد من أربعة أقسام يشكل مجموعها الناتج المحلي الاجمالي GDP وهي الاستهلاك والاستثمار والانفاق العام والميزان الخارجي. لكل قسم أهميته ودوره في تحديد المستوى المعيشي الوطني. أهم شيء هو تأثير حجم الناتج على رفاهية الانسان في بلد ما مقارنة بانسان في بلد آخر. الأقسام الأربعة مهمة وتؤثر على بعضها البعض، لكننا نعلم أن أهم ما يسعد الانسان هو قدرته على الاستهلاك، ليس فقط السلع والخدمات الأساسية بل أيضا وخاصة المميزة والفاخرة. مستوى ومحتوى الاستهلاك يشيران الى نوعية الحياة في بلد ما وهو ما يسبب سعادة الانسان في مجتمعه. معظم الأنظمة السياسية التي تغيرت أو أطيح بها كان السبب فشلها في تأمين الرفاهية لشعوبها أي القدرة على استهلاك الخدمات والسلع الأساسية والفاخرة المطلوبة.
من الأنظمة السياسية التي انهارت وتحتاج الى المزيد من التحليل والدرس هو الاتحاد السوفياتي، القوة العظمى التي تفتت بسرعة. هنالك أسباب عدة لهذا الانهيار السريع لكن السبب الأهم هو عدم قدرة الادارة السوفياتية المركزية على تأمين الحاجات الاستهلاكية للمواطنين بالاضافة طبعا الى انتاج سلع وخدمات لم تراع التطور التكنولوجي وتغير الطلب والأذواق. فالتركيز على الصناعة الثقيلة مثلا ربما كان في محله في المراحل الأولى للنظام، لكن التغيير كان مطلوبا بسرعة تماشيا مع التغيير في التكنولوجيا الصناعية وفي أذواق الناس. لم تستطع الادارة السوفياتية التأقلم مع الواقع الجديد وبدا واضحا بداية السقوط السريع.
في شباط 1917، كانت روسيا تعيش تحت سلطة قوية مركزية غير مرنة. في وقتها كانت روسيا تشكل نصف أوروبا وثلث أسيا وكان فيها سلطة سياسية واحدة يحسب لها حساب وهي سلطة القيصر. روسيا كانت من أقوى الدول ونظامها الأكثر تشددا. خلال أيام قليلة انهارت سلطة سلالة الـRomanov التي حكمت لعدة قرون. بعدها بأشهر قليلة تسلمت السلطة مجموعة «بولشيفية» اعتمدت الشيوعية لحكم البلاد عبر نظام مركزي قوي حاول تدريجيا تغيير المجتمع. لم يكن هذا التغيير الكبير ليحصل لو كان الشعب راض عن الحكم القيصري. في الحقيقة كان الشعب غير راض ويعيش تحت القمع ودون السلة الاستهلاكية الدنيا المطلوبة. 85% من الشعب كان من الفلاحين ويعيش في نظام لا يعطيه حقوقه المعيشية الدنيا.
لماذا لم يستطع الفلاحون زيادة انتاجهم وتحسين أوضاعهم المعيشية؟ كانت المساحات الزراعية متوافرة اذ أن روسيا دولة شاسعة، لكن المشكلة كانت في طرق الانتاج البدائية. فالأوضاع الاقتصادية العامة غير المريحة بالاضافة الى غياب الحريات شكلا قنبلة انفجرت لتطيح بالنظام وتدعو الشيوعيين الى الحكم, حصول الحرب العالمية الأولى في وقتها ساهم أيضا في تعجيل موت النظام السابق اذ أن روسيا لم تكن جاهزة لها وبالتالي حصلت خسائر كبرى لم يستطع النظام تجنبها أو حتى تبريرها. حتى «لينين» المنفي في سويسرا لم يكن يتوقع حصول الثورة بهذه السرعة، بل قال مرارا أن التغيير السياسي لن يحصل في حياته.
ارتكب الشيوعيون الأخطاء نفسها التي حصلت زمن القيصر، أي الحكم المركزي القوي بالاضافة الى سوء التأقلم مع مطالب الشعب وعدم التغيير بالتزامن مع التطور الثقافي والتكنولوجي العالمي. هنالك وصف جميل للأنظمة السياسية الأساسية يقول «أن الرأسمالية هي استغلال الانسان للانسان، أما الاشتراكية فهي العكس تماما». قامت الحكومات السوفياتية باعتماد الخطط الخماسية لادارة البلد بدأ من سنة 1928 حتى 1980. حققت 10 برامج خماسية لم تستطع خلالها تأمين السلع والخدمات الاستهلاكية التي يريدها المواطن بل استفادت منها الطبقة الحاكمة فانتشر الفساد وتعززت المصالح الشخصية كما كان يحصل سابقا. بقي المواطن غير راض بل ازداد الغضب لأنه لم يحصل على حقوقه السياسية والمعيشية أي تكونت قنبلة انفجرت في وقتها.
سقط النظام الشيوعي للأسباب نفسها وروسيا تعيش اليوم في نظام بوتين الذي يشغل العالم في أهدافه وطرق التنفيذ. كان بوتين واضحا منذ البداية انه يريد اعادة الاعتبار الى روسيا كقوة سياسية عسكرية اقتصادية كما حلم بها. كما يتبين لنا من المرحلتين السابقتين واذا قمنا بالاستنتاج، لن يحقق بوتين أهدافه الا اذا رفع معيشة المواطن ووسع الحريات الشخصية.
أولا: في الموضوع المعيشي، من الطبيعي أن العلاقات الدولية الحالية الناتجة خاصة عن حرب أوكرانيا لن تساعد الروس معيشيا بالاضافة الى العقوبات الموضوعة من الغرب. فالتركيز الروسي حاليا يقع على الحاجات الحربية وتجنيد الشباب واستعمال القوة المطلوبة للانتصار على أوكرانيا ومن وراءها. حاليا بوتين مرتاح للصين ولا يخشاها وهي التي تستفيد من اضعاف الغرب وروسيا سوية. تنتظر بهدوء وها هي تحاصر من وقت لآخر تايوان لتذكر العالم أن الجزيرة لها، ولا بد وأن تحصل عليها عاجلا أم آجلا. الخطوة الاقتصادية الأهم التي شارك فيها بوتين هي انشاء وتوسيع مجموعة «البريكس» كقوة اقتصادية كبيرة ربما تصدر نقدا ينافس الدولار الأميركي. أهم علاقة يجب الحفاظ عليها وتطويرها لاحقا هي مع الصين ليس فقط في التجارة وانما أيضا في الاتصالات ووسائل النقل والعلوم والتكنولوجيا العادية كما النووية. تبادل المساعدات ضروري كما التعاون في مختلف الحقول. ستبقى المنافسة السياسية قائمة ليس فقط تجاه الدول الأسيوية القريبة بل تجاه كل الدول النامية والناشئة الى تحتاج الى كل شيء.
ثانيا: في الموضوع السياسي لا يبدو أن المعارضة قادرة على التحرك وعلى التخاطب فيما بينها كما بينها وبين المواطنين بحرية وصراحة كما يحصل مثلا في فرنسا وبريطانيا وتركيا وألمانيا، بل أن عدم الرضى السياسي الشعبي واضح عبر الاعلام الدولي المتنوع كما عبر الذين يأتون من روسيا. توسيع الهامش ضروري مع الوقت وبشكل علني كما يحصل في معظم دول الجوار بما فيها المجر.