المدهش في حرب اليوم أن الولايات المتحدة كفريق أساسي مشارك بها يستطيع في نفس الوقت الاستمرار في سياساته الداخلية والدولية وكأن الأمور والأوضاع عادية. فالدول التي تستطيع ذلك هي حتما قليلة، وأن الذي يشارك في الحروب أو يقوم بها عليه منطقيا تحويل معظم الموارد والايرادات الداخلية الى تمويل العمليات العسكرية وما يرتبط بها. لذا لا بد من التقصير في تنفيذ أمور مهمة أخرى. فروسيا، مع حرب أوكرانيا مثلا، هي غير روسيا ماليا واقتصاديا من دون الحرب والا لما استطاعات الاستمرار بها.
أما الصين فليست قادرة، تبعا للاحصائيات والمعلومات المتوافرة، أن تقوم بحروب خارجية وتستمر بالعمل كالمعتاد داخليا ودوليا وكأن شيئا لم يكن. وحدها الولايات المتحدة الأميركية قادرة على القيام بحروب بعيدة ألاف الكيلومترات عن حدودها والاستمرار في نفس الوقت بادارة كافة القطاعات داخلها. الولايات المتحدة فريدة جدا وبالتالي ما يحصل اليوم في المنطقة مختلف جدا في عنفه وامتداده وتوسعه عن أي شيء سابق.
لم تقع الحرب اليوم بسبب خلافات أو صراعات جديدة تحصل بين ايران من جهة والتحالف الأميركي الاسرائيلي من جهة أخرى، بل أن الصراع قديم ومستمر منذ عقود. السؤال الطبيعي هو لماذا تحصل الحرب العنيفة القوية اليوم؟ ما هي الأسباب الرئيسية التي دفعت بالفرقاء الى المواجهة الكبيرة المكلفة التي بدأت منذ أيام؟ طبعا مدة الصراعات مهمة جدا اذا لم تحصل حلول أو محاولات حلول للمشاكل المعقدة التي بدأت مع انشاء اسرائيل من جهة ومنذ بدء حكم الرئيس ترامب في 2016 من جهة أخرى مع فترة سماح دامت 4 سنوات (2020\2024). خلال كل هذه السنوات الطويلة، يدفع لبنان الثمن الكبير الغالي المؤلم في المادة والانسان. فالظلم مستمر ويزداد لغياب الحلول أو أقله المحاولات الجدية لايجاد حلول.
كان للعقيدة الترامبية دورا كبيرا في اشعال المواجهة القديمة وذلك مع صدور الأهداف الاستراتيجية للادارة في 4\12\2025 والتي حددت تماما ماذا ينوي الرئيس ترامب فعله. حددت المبادئ التي يرتكز عليها في علاقاته الدولية خاصة مع دول حلف شمال الأطلسي وخارجه والتي تختلف تماما عن ما سبق حتى مع الادارات الجمهورية. الجو العام تغير في الولايات المتحدة مع الرئيس ترامب وادارته والتي لا تخفي مبادئها وبالتالي على المهتمين الاصغاء. من مبادئ الرئيس الأميركي اثنان مهمان جدا:
أولا: تنتهي مع ادارة الرئيس ترامب الحماية الأمنية لأوروبا وعلى القارة القديمة أن تحمي نفسها وهذا يفرض تغييرا كبيرا في السياسات الأوروبية الوطنية ليس فقط من ناحية الدفاع بل أيضا من ناحية السياسات الاجتماعية التي سيصعب تمويلها. ستكون الموازنات الأوروبية مختلفة جدا عن السابق، أي انفاق أكثر على الأمن وأقل على الضمانات الاجتماعية والصحية والتعليمية وما يتبعها من غضب شعبي سيزداد. يريد ترامب من كل الدول الحليفة أن تنفق سنويا على الدفاع 5% من ناتجها الوطني وهذا صعب، لكن الدول تحاول مع بعض الاستثناءات أهمها اسبانيا مما يفسر الهجوم اللاذع للرئيس الأميركي على الحكم الاسباني. سيكون الانفاق على الأمن والدفاع من أولويات الأهداف الأوروبية الحالية والمستقبلية خاصة مع التعثر الواضح في ادارة الدفاع حتى في الدول الأوروبية الأساسية كفرنسا وبريطانيا.
ثانيا: يتهم الرئيس ترامب الدول الأوروبية بالقضاء على حضارتها أي على الحضارة الغربية وذلك بسبب فتحها الأبواب عمليا للمهاجرين من دول لا تعرف الحضارة نفسها. أوروبا في رأيه تقضي على نفسها وبالتالي على المبادئ التي يعيش الغرب ضمنها، ونقتبس معظمها في دولنا الشرقية والعربية. أوروبا أيضا في رأيه تقضي على حرية التعبير داخلها ويستند في ذلك الى ما يجري من أعمال عنف داخلية مع مجموعات من أقصى اليسار واليمين. هذا يعني في رأيه أن الحليف الأوروبي يتغير كثيرا في المبادئ والتنفيذ، وبالتالي لا دور للولايات المتحدة في حمايته من معتدين حاليين أو مستقبليين يعتمدون عقائد ربما تكون أقرب الى ما تريده الولايات المتحدة.
ما هي النتائج الأولية للمبادئ المذكورة أعلاه والتي تشير الى بناء عالم جديد؟
أولا: سيتعزز وضع الشركات المنتجة للأسلحة وهذا ما ركز عليه الرئيس ترامب في اجتماعه منذ أيام مع شركات الأسلحة الأميركية الأساسية. هذا يعني ماليا أن أسعار أسهم تلك الشركات وأرباحها ستتعزز كما لم يحصل سابقا. شدد الرئيس الأميركي على ضرورة أن تنتج 4 أضعاف ما تفعله اليوم وهذا مهم ومؤثر على كل الأسواق المالية ليس في أميركا وحدها وانما عالميا. تشير الاحصائيات الى أن شركات الدفاع العالمية المئة الكبرى حققت أرباحا قدرت ب 679 مليار دولار في سنة 2024.
ثانيا: هنالك نوع من الحذر تجاه القطاع المصرفي الأميركي من ناحية تعزيز أوضاع المصارف الكبرى. هذا يؤثر سلبا على فرص تمويل الشركات الصغيرة وخاصة الناشئة والفردية كما تلك المرتكزة على التكنولوجيا وفي مقدمها شركات الذكاء الاصطناعي التي تدهش العالم في عبقريتها وتأثيرها على واقع ومستقبل المجتمعات.