إن محاولة تعريف لبنان السياسي مهمة بالغة التعقيد، لأن الكيان اللبناني لم يتكون على هوية وطنية واحدة، بل تم تشكيل الهوية على توازنات هشة بين مكونات متنازعة تستمد شرعيتها من خارج الحدود، فكل مكون لبناني يحمل في وعيه مرجعية خارجية دينية أو قومية او عقائدية او نفعية، بما يمنع من بناء سردية وطنية متماسكة، ومنذ متصرفية 1861 و إعلان دولة لبنان الكبير 1920، عاش الكيان اللبناني ضمن معادلة مزدوجة حماية خارجية وضمانات طائفية، وبعد الاستقلال 1943 تحوّلت هذه المعادلة إلى بنية دائمة للنظام السياسي، تدار من خلالها توازنات الولاءات الخارجية التي حكمت كل المؤسسات السلطوية .
ارتبط تكوين السلطة اللبنانية بالإرادة الخارجية، من فرنسا وبريطانيا وروسيا إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، فيما كانت الدول العربية والاقليمية تتغير تبعا لتحولات موازين القوى الشرق اوسطية، وهكذا اصبح حضور الخارج في الداخل اللبناني حالة مستقرة،مما شجع المكونات الطائفية والسياسية على الانخراط في لعبة الاصطفافات الخارجية، مما ادى الى غياب المشروع الوطني الجامع، وتقدم الولاء للراعي الخارجي الذي يضمن الحماية، والسلاح والتمويل والنفوذ.
لبنان اليوم أمام سؤال وجودي هل يمكن قيام دولة ذات سيادة في ظل غياب الذات السياسية الوطنية المستقلة، والجواب حتى الان بين الممكن النظري والمستحيل الواقعي، امام تعاظم الحضور الخارجي وغياب الحضور الداخلي، وعدم رغبة اللبنانيين بالتحول من رعايا طوائف إلى مواطنين حقيقيين، فان مشروع لبنان الدولة سيبقى مؤجل لإن الخلاص لا يأتي من التوافق الخارجي، بل من القدرة على احتواء الاختلاف الوطني الداخلي، وادراك اللبنانيين بان وطنهم قدر مشترك وليس محاصصة سلطوية، حينها يصبح قيام الدولة فعل حرية، وتتحول الجغرافيا إلى وطن نهائي لعموم اللبنانيين.
السيادة اللبنانية بقيت مفهوم رمزي ولم تتحول الى واقع فعلي، لأن الاستقلال لا يتحقق بخروج الجيوش الأجنبية، بل عندما يمتلك اللبنانيون قرارهم الوطني المستقل، ويحرروا وعيهم الجمعي من الارتهان الخارجي، وبناء الدولة يقتضي تشكيل وعي وطني جديد وتفكيك الروابط العميقة بين الطائفية والولاءات الخارجية.