استيعاب ما يجري في منطقتنا والعالم عملية بالغة التعقيد وربما نحتاج الى سنوات طويلة قبل أن تتضح حقيقة ما جرى في غزة والقدس وشرم الشيخ، فكل ما شاهدناه وقرأناه كان مزيجا من المجاملات والتكريمات والانطباعات والتكهنات والتهديدات والوعود والأحلام، وباستثناء كلمة الرئيس المصري الشديدة الوضوح، لا توجد رواية مكتملة تخبرنا من أين بدأت مسيرة اعلان (السلام والازدهار) في غزة، وما علاقته بما سبقه من قمم ومؤتمرات واعترافات، ومن شارك في صياغته وهندسته، وكيف حصد كل تلك المواقف المؤيدة من قوى متناقضة، ودعوات لدول غير متوقعة للمشاركة في اجتماعات القادة في شرم الشيخ مما يثير أسئلة عصية على الإجابات.
أكثر ما يثير الاستغراب هو محاولات إسقاط اللحظة الحالية على حروب واتفاقات سلام سابقة، فكل الحروب السابقة كانت خاطفة واتفاقات السلام كانت ثنائية أو ثلاثية وبرعاية أميركية، بينما المشهد اليوم يتجاوز نزاعات القرن الماضي، فالحديث اليوم يدور عن عملية سلام تطمح الى انهاء صراعات عمرها آلاف السنوات، ولم تعد قوة الدول الكبرى هي المعيار، بل ارادة القادة الافراد، لتصبح معادلة الاستقرار رهينة الأهواء الشخصية لا المؤسسات العميقة والمواثيق.
امام هذا الغموض، يجد لبنان نفسه جزءا من عملية مركبة إقليمية دولية، فالمشهد الممتد من غزة إلى بيروت إلى دمشق يعبر عن تحولات متقطعة ومتباعدة، تتبدل فيها الأولويات تبعا لمسارات الحرب العالمية التكنولوجية والجيوسياسية بعد ان تغيرت مصادر الثروة والقوة، الدول الصغيرة تواجه انعكاسات متناقضة لصراع يتجاوز قدرتها على إدراك موازينه الغامضة والمتحركة.
الظروف الراهنة تحتاج الى إدراك مخاطر اللحظة التاريخية التي يعاد فيها صياغة خرائط القوة والسيطرة لعقود قادمة، ومن المحتمل ان يكون الرابح الان خاسر غدا واعداء اليوم حلفاء الغد، إن مسؤولية المكونات السلطوية اللبنانية العمل على تحويل هذا الارتجاج الكوني إلى فرصة للتحرر من الاصطفافات الطائفية والقبلية الوهمية والشروع في تجديد الشخصية الوطنية الحديثة الضامنة لاستقرار اجيال كافة المكونات والمناطق اللبنانية، اللحظة الراهنة شديدة الغموض والمخاطر، ونحن لا نزال في بداية الطريق نحو المجهول.