هنالك دائماً للقضية التي ذاقت وما زالت مرارة الظلم كلامياً وسلاحياً مِن جانب دول الغرب وبالذات مِن الولايات المتحدة بعد بريطانيا، مَن وبدافع الأمانة الوطنية والإيمان النقي يقول كلمة حق يُراد الحق ولا شيء غيره، ويكشف النقاب عن مواقف تعكس حقيقة نظرة الغرب الأميركي – الأوروبي، مع نسبة قليلة مِن الإستثناء، إلى القضية الفلسطينية. ولقد فعل خيراً «مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا» في زمن الخمسينات أمين الحسيني بتوثيق المتيسر من المواقف التي تصب في بحر الظلم هذا وتُوضح طبيعة الظلم راهناً ومنها قول كلام بايرود مساعد وزير الخارجية الأميركية يوم 2 شباط 1954 «إن إسرائيل وُجدت لتبقى وإن أميركا هنا لتؤمِّن حياتها»، وقول رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ السناتور رايلي يوم 29 آذار 1953 «إن الولايات المتحدة تعتبر الدولة اليهودية القاعدة الأساسية للشؤون العسكرية والإقتصادية والديمقراطية في الشرق الأوسط» وقول أندرسون وكيل وزارة التجارة في إدارة الرئيس ايزنهاور يوم 15 آذار 1953 «إن حكومة الولايات المتحدة وشعبها قدَّما ليهود فلسطين بين عام 1948 وعام 1952 بليون دولار هبات وعطايا وقروض (بالطبع لن تُسدد)»، فضلاً عن حمْل حكومة المانيا الغربية على القبول بدفع تعويضات مالية لليهود عام 1953 تبلغ 875 مليون دولار.
وأما على الصعيد المذهبي فهنالك مؤتمر عقَده في شباط 1945 خمسة آلاف قسيس بروتستانتي أميركي وقَّعوا في نهايته مذكرة رفعوها إلى الرئيس هاري ترومان يُظهرون فيها «شديد عطْفهم على القضية الصهيونية...». وعند المقارنة بين هذه المواقف والموقف الأميركي الحالي بالذات نجد أن الموضوع الإسرائيلي في صُلب العقل السياسي الأميركي. ثم تأتي صورة الرئيس ترمب رافعاً بكلتا يديه يوم الأربعاء 6 كانون الأول 2017 في مكتبه مرسوم الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل تعكس حقيقة الموقف الأميركي ماضياً وراهناً، وإرفاق الإعتراف الصادم لقرار الإجماع العربي بأن القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، بقرار يتضمن على الفور نقْل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
هنا نستحضر مما وثَّقه المفتي أمين الحسيني في كتابه المعنون «حقائق عن قضية فلسطين» بطبعته الثانية عام 1956 بعض أقوال زعامات ومرجعيات يهودية مثل قوْل «رئيس جمعية الدفاع عن المبكى» يوم 6 آب 1929 «المسجد الأقصى القائم على قدْس الأقداس في الهيكل إنما هو لليهود»، وقول رئيس حاخامي اليهود في فلسطين في الكتاب المعنون «مطامع اليهود»الصادر عام 1948 «إن عاصمة الدولة اليهودية لن تكون تل أبيب وإنما ستكون القدس لأن فيها هيكل سليمان ولأن الصهيونية حركة سياسية ودينية معاً (نفَّذ ذلك الإعتراف ترمب يوم الأربعاء 6 كانون الأول 2017، بعد 69 سنة من قيام دولة إسرائيل كما في عهد رئاسته صفَّق أكثرية أعضاء الكونغرس واقفين لرئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو المعتدي على غزة إبادة وتجويعاً وتدميراً).
وأما اللافت من المواقف العربية التي وثَّقها المفتي الحسيني في كتابه فإنه موقف الملك سعود بن عبدالعزيز أول الملوك الأبناء بعد رحيل والدهم الذي كان بالنسبة إلى القضية الفلسطينية جازماً في ما يقوله عبْر مقابلات صحف أجنبية معه، أو ما يكون خلال لقاءات أو مراسلات، هذا فضلاً عن وصيته التاريخية إلى مَن بعده في سدة الحُكْم. وخلاصة هذه المقابلات والتصريحات فضلاً عن الوصية نثبِّتها لأهميتها التاريخية والوطنية في مقال لاحق.
ويبقى هنا كلام الحق الذي صدر عن عميد الكتلة الوطنية ريمون إده (الراحل) في جلسة مجلس النواب يوم 6 كانون الأول 1969 والذي خيراً جاء نشْره في «اللواء» عدد السبت 7 آذار الجاري، عله ينبه كثيرين غافلين مِن هواة التصريحات التي لا تلمس جوهر الأزمة، وبمثل ما فعل المفتي الحسيني تنبيهاً. ومما قاله العميد الغائب الحاضر «إن إسرائيل منذ 1919 تريد مياه الليطاني وأن أول من قال إن إسرائيل تشكِّل خطراً على لبنان وتريد بكل معنى الكلمة أن تهدم مطار بيروت ومرفأ بيروت (هذا حدث يوم 4 آب 2020) لكي يتحسَّن مطار إسرائيل ومرفأ حيفا. هناك واحد في أن أميركا تحمي إسرائيل وتمولِّها وتساعدها». كما إنه إستشرف ما يحدُث الآن من خلال قوله «غداً إذا صار ما صار وجاءنا من الجنوب خمسون ألفاً أين ستضعونهم؟ من سيطعمهم». بات النازحون قرابة نصف مليون.
رحمة الله على قامات نبَّهت مبكراً وكانت مثالاً في وطنيتها وصِدْق مبدئيتها.