بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 كانون الثاني 2026 05:16م الكاتب السياسي اللبناني

حجم الخط

 

الكتابة السياسية عملية معقدة في زمن التحولات العميقة التي يعيشها العالم والمنطقة، وبلاد المشرق تشكل اليوم احدى الساحات الأكثر قسوة، بعد أن جوفت النزاعات المسلحة مجتمعاتها من نخبها الفكرية والمدنية وحركاتها السياسية التي ميزت دول المشرق، تلك النخب التي تعاقبت على مدى اجيال وعرفت بيروت مدينة الانفتاح والتفاعل الوطني والقومي والعربي والدولي والحريات السياسية والاعلامية والمصرفية، وهذه النخب قدمت نفسها كإرادة تقدمية و توحيدية تحررية، قبل أن يتغلب عندها حب السلطة على السياسة، وتتحول إلى أدوات عدمية في ادارة التناقضات والنزاعات، وأسقاط كل القيم السيادية والحقوقية .

الكتابة السياسية عرفت بوصفها اما موالية أو معارضة أو محايدة، غير أن هذا التصنيف سقط مع عسكرة المجتمعات المشرقية، وتحويلها إلى مجموعات مسلحة مذهبية وطائفية وإثنية، واحزاب وميليشيات تروج لفكرة استحالة الانصهار في هوية وطنية جامعة، وتدعو إلى الاعتراف بفشل الشراكة والاحتماء بالخصوصيات على حساب بناء الدولة الوطنية.

 الكتابة السياسية في مجتمعات الكراهية المشرقية لم تعد تعبر عن واقع سياسي متفاعل، بل تحولت الى ما يشبه حالات الانفصال عن الواقع، والانخراط في معارك وهمية مع طواحين الهواء والتي جعلت من الكاتب السياسي (دون كيشوت) جديد، وهذا الاعتراف ليس ادعاء، بل وجع حقيقي يمزق العقل والوجدان في بلاد يكره فيها كل مكون المكون الآخر، ويكاد الفرد يخاصم بيئته قبل أن يخاصم غيرها، ولبنان كان ولا يزال المختبر الاول لابتكار كل احلام وكوابيس المشرق السياسية.

 الكتابة السياسية تعيش في حالة من الغوغاء والضياع، تختلط فيها الموالاة بالمعارضة باللامبالاة داخل النص الواحد، على قاعدة ان لبنان السلطة غير لبنان السياسة ومن لا يمتلك حق الموالاة ليس من حقه الاعتراض، والكتابة السياسية الحقيقية اصبحت مجرد اوجاع واعترافات بالضياع نتيجة موت السياسة وانعدام الحياة العامة، والسياسة في جوهرها هي روح المجتمعات، وتنظيم الاختلاف والانسياب نحو الامان الفردي والمجتمعي، ومع موت السياسة في مجتمعات النزاع المشرقية اصبح الكاتب السياسي شاهد زور على انهيار المعنى والقيم وتفكك المجتمعات والكيانات، وذلك هو حال الكاتب السياسي اللبناني.