بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 تشرين الأول 2025 12:00ص المنافسة وتعزيز الثقة

حجم الخط
نجاح المناقصات وتطور تقنياتها مبنيان على تطور علم الاقتصاد. المقصود ليس فقط التركيز على مبادئ الشفافية والفاعلية والانتاجية والتنافسية، وانما أيضا على تطور تصرف العميل الاقتصادي بحيث يأخذ في الحسبان ما يحصل خارج مؤسسته.  فالعلم الاقتصادي الكلاسيكي كان يعتبر أن على صاحب المؤسسة التركيز على الأوضاع الداخلية في شركته لزيادة قيمة الشركة في السوق أو أقله تحقيق أفضل الأرباح. هذه الأفكار لم تعد كافية اليوم مع اشتداد المنافسة، اذ يفترض على مدير المؤسسة التجارية أن لا يهتم فقط بداخل مؤسسته بل يدرس ويقيم ما تفعله وستفعله المنافسة كي يتحضر لها.
تخلق المنافسة الجديدة نوعا من الحذر والقلق في السوق، مما يفرض على جميع المشاركين متابعة ما يجري بوعي.  ما نقوله بالنسبة للشركات التجارية في الأسواق الداخلية يصح تماما بين الشركات المتنافسة من مواقع جغرافية مختلفة.  يصح المبدأ نفسه للدول في علاقاتها الاقتصادية والسياسية، اذ لا يمكن اتخاذ القرارات الجديدة دون دراسة ما يخطط له الفريق الآخر أو الفرقاء الآخرين.  هذه الوقائع الجديدة، والتي أسست لما يعرف بالمناقصات أو المزايدات تبعا للمنافسة في نقصان السعر أو ازدياده auctions، أدخلت نوعا من الجاذبية الى علم الاقتصاد ولكنها أيضا جعلته أصعب للاستيعاب والتطوير.  منح جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1994 لأميركيين (Harsanyi / Nash) وألماني (Selten) ولغيرهم في ما بعد يدل على اعتراف العالم أجمع بالتطور الاقتصادي العلمي وجدواه في تفسير وتطوير العلاقات الاقتصادية.
كي تتحقق المنافسة بالطريقة الفضلى، يجب أن نأخذ في الاعتبار عاملين رئيسيين يحددان جدواها، هما توافر المعلومات الصحيحة ومصداقية المشاركين في السوق. المقصود بالمعلومات الصحيحة أيضا توافرها نفسها للمشاركين في السوق، وهذا مهم لجعل العمليات التجارية خالية من الغش.  في سوق السيارات المستعملة مثلا حيث يكون الشاري عموما جاهلا لما يمكن أن تحمله السيارة من مفاجأة مستقبلية، بينما يكون البائع عالما أكثر بكثير بحالة السيارة المستعملة.  المعلومات غير المتوازية تعرقل عملية التبادل التجاري وترفع درجة عدم الثقة في الأسواق.  لمصداقية المنافس أهمية كبرى اذ ماذا ينفع تحديد استراتيجية جديدة مبنية على ما أعلنه المنافس اذا كانت المعلومات خاطئة أو كانت مصداقيته مشكوك بها.
المناقصات بالظرف المختوم ترتكز على سرية العمل، أي يقوم كل منافس بتقديم أفضل عرض عنده دون معرفة ما ينوي الآخر تقديمه.  في المزايدات العلنية على التحف الفنية أو على اللوحات الزيتية أو غيرها، لا مشكلة في المعلومات لكنها تؤدي عموما الى مزايدات كبيرة ترفع سعر الشراء الى ما يفوق بكثير القيمة الحقيقية.  وجد البروفسور «فيكري» حلا لها اذ يفرض على رابح المزايدة العلنية دفع السعر الثاني وليس الأعلى تجنبا لما يعرف ب «لعنة الرابح».
أهمية توافر المعلومات الكاملة والصحيحة تعود الى تأثيرها الكبير على الخيارات الاقتصادية الفضلى.  يبحث الاقتصاديون عن الحوافز التي يمكن أن تدفع بالعميل الاقتصادي الى قول الحقيقة أو اعطاء المعلومات الصحيحة.  اذا أخذنا مثلا الضريبة التصاعدية على الدخل، نرى أنها يمكن ان تدفع بالذين يصلون الى الشرائح الضرائبية العليا الى وقف العمل وزيادة أوقات للهو أو الفراغ. اذا أخذت الدولة مثلا 50 % أو أكثر من الدخل الاضافي أو الهامشي، فلماذا يتعب ويعمل؟  التصاعدية مطبقة في معظم الدول الصناعية وهي مرغوب بها كنظام ضرائبي تأمينا للعدالة، شرط أن تبقى ضمن حدود معقولة بحيث لا تدفع الشخص المنتج الى وقف العمل.
الضريبة التصاعدية على الدخل هي اذا ليست الضريبة الفضلى، اذ يمكن للدولة أن تفرض مثلا ضريبة تصاعدية على الانتاجية بحيث تتجنب الهروب المذكور من العمل.  لكن المشكلة تكمن في أن الدولة تجهل انتاجية كل مواطن أو شركة لكنها تعرف دخلهما.  الأمر نفسه يحدث في سوق التأمين اذ تجهل شركة التأمين مخاطر المؤمن عليه، مما يدفعها الى زيادة الأقساط وزيادة قيمة الاقتطاع ودفع المؤمن الى المشاركة في الخسائر التي تلحق بالشركة.  تبرر هذه الاجراءات بعدم توافر معلومات أكيدة وكاملة عن المؤمن والى عدم تأكد الشركة من قيامه بكل ما يلزم لتخفيف المخاطر الى أدنى حد ممكن.
يتم اليوم تكليف المقاولين بمعظم المشاريع الاقتصادية حتى الصغيرة منها عبر مناقصات تعلن شروطها في كل الصحف والمجلات الوطنية والدولية.  عمليات التبادل بالتراضي لا توحي عموما بالثقة ويمكن الطعن بها، لذا أصبحت محدودة.  يتم فض عروض المناقصات علنا بشكل يشعر معه الجميع بصحة ونزاهة العملية.  من الأهمية بمكان أن تكون شروط المناقصة مدروسة بحيث لا يكون هنالك خاسر ورابح بل رابحان، كل من وجهة نظره.  فالمناقصة بالظرف المختوم تمنع عمليا التواطؤ بين المتنافسين الذين لا يلتقون الا في آخر المطاف.  أما في المناقصة العلنية، فامكانية حصول تواطؤ هي أكبر بكثير.  الأمثلة على المناقصات في قطاع الاتصالات العالمي أصبحت معروفة وتقدم عليها تباعا كل الدول بحيث تستفيد من بيع موجات الخلوي وشبكات الهاتف.  يحصل عندها المواطن على خدمة أفضل بسعر أدنى، بالاضافة الى تحقيق أرباح كافية للشركة الملتزمة.
تطورت تقنيات المناقصات كثيرا في السنوات القليلة الماضية وامتدت الى العديد من القطاعات.  تريح هذه العمليات، اذا نظمت بطرق مدروسة، البائع والشاري عندما يجهل البائع سعر الأداة التي ينوي بيعها ويجهل الشاري السعر الأفضل للطلب.  تكون المنافسة عبر المناقصة الحل الوسط الذي يمكن أن يكون الأفضل أيضا.  مطالبة المواطنين حكوماتهم بالشفافية ومحاسبتهم على أدائهم باعمالهم تفرضان واقعيا على المسؤولين القيام بمناقصات توحي بالثقة.  من ركائز الجولة التاسعة المقبلة من اتفاقية منظمة التجارة العالمية تعميم مبدأ الزامية عرض عمليات التعاقد العامة أمام الشركات الوطنية والدولية بنفس الشروط.