بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 كانون الثاني 2026 12:15ص اليد الممدودة بعد التمدُّد

حجم الخط
جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت في 8 كانون الثاني 2026 محمّلة بدلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد، لا سيما أنها تمت على رأس وفد اقتصادي وفي توقيت بالغ الحساسية داخليًا في إيران وإقليميًا في لبنان. فالزيارة، في ظاهرها، انفتاح اقتصادي وتأكيد دعم، لكنها في عمقها محاولة لاحتواء ارتدادات أزمة داخلية إيرانية تتسع رقعتها، ولإعادة ترتيب العلاقة مع لبنان بكل مكوّناته لا مع «لبنان حزب الله» فقط.
إيران تعيش مرحلة دقيقة. تظاهرات واسعة ذات خلفيات معيشية واقتصادية، تراجع حاد في قيمة العملة، وارتفاع كبير في الأسعار، ترافقها هتافات سياسية غير مسبوقة وسقوط ضحايا، مع ظهور رمزي لعناصر مرتبطة بحركة «مجاهدي خلق» مدعومة إعلاميًا من عواصم غربية. كل ذلك أعاد إلى الواجهة سيناريو «الضغط الأقصى» على النظام الإيراني، إما لتقويضه أو لترويضه بما يخدم المصالح الأميركية والغربية، وخصوصًا النفطية.
في هذا المناخ، بدت زيارة عراقجي إلى بيروت وكأنها رسالة مزدوجة: إلى الخارج بأن إيران ما زالت قادرة على الحركة والمبادرة، وإلى الحلفاء بأن الدعم مستمر ولكن بصيغ أكثر مرونة. لقاءاته الرسمية مع الرؤساء الثلاثة في لبنان لم تكن منفصلة عن لقاءاته السياسية-العقائدية، وفي مقدّمها لقاؤه المعلن مع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، وما رافقه من إشارات تطمين وتحفيز ونصح في آن واحد، خصوصًا في ما يتصل بالعلاقة مع الدولة اللبنانية وملف السلاح.
اللافت في برنامج الزيارة شموليتها: من المجلس الشيعي الأعلى، إلى مرقد السيد حسن نصرالله، إلى دار الفتوى، وقبلها زيارة المستشار الثقافي الإيراني إلى الصرح البطريركي. هذا الانفتاح المتعدد الاتجاهات يعكس رغبة إيرانية واضحة في تخفيف منسوب القلق، ولا سيما لدى الطوائف التي تنظر بريبة إلى الدور الإيراني في لبنان، وفي مقدّمها الطائفة المارونية. وكأن طهران تقول إن يدها ممدودة إلى «كل لبنان»، لا إلى حلفائها فقط.
تزامنت الزيارة مع خطاب للمرشد الأعلى علي خامنئي، أقرّ فيه بخطورة المرحلة ودعا إلى الوحدة والحذر، ردًا على تصريحات وتحريضات صادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي بدا كأنه يستثمر في التظاهرات الإيرانية على أمل تكرار سيناريوهات مشابهة لما جرى أو يُخطط له في دول أخرى. رد خامنئي حمل نبرة تحدٍّ، مذكّرًا بالدور الأميركي الدموي في المنطقة، ومشدّدًا على تماسك الجبهة الداخلية، بالتوازي مع إجراءات أمنية مشددة في الداخل الإيراني.
لبنانيًا، تكتسب الزيارة أهمية إضافية في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الجنوب والبقاع وبعلبك-الهرمل، وفي ظل انقسام داخلي حاد حول دور المقاومة وسلاحها. البعض يرى في أي تقارب لبناني-إيراني تكريسًا لـ»هيمنة» مرفوضة، فيما يرى آخرون أن الدعم الإيراني، إذا فُصل عن الإملاءات السياسية، يمكن أن يشكّل رافعة اقتصادية تخفف من الانهيار الخانق. من هنا جاءت رسائل عراقجي حول إمكانية بناء علاقات اقتصادية طبيعية مع إيران على غرار علاقاتها مع دول كعُمان والإمارات، أي الفصل بين السياسة والاقتصاد قدر الإمكان.
في هذا السياق، برزت أهمية تصريحات داعمة لسيادة لبنان وسلامة أراضيه، منسوبة إلى مسؤولين إيرانيين، ما يفتح الباب أمام تغليب لغة الحوار. كما تتقاطع هذه الأجواء مع دعوات داخلية، أبرزها ما قاله النائب طوني فرنجية حول ضرورة إطلاق حوار وطني جدي وعميق برعاية رئيس الجمهورية، بعيدًا من السجالات الإعلامية والتصعيد الشعبوي الذي لا ينتج سوى مزيد من الانقسام.
يبقى السؤال الجوهري: هل يلتقط اللبنانيون هذه «اليد الممدودة»؟ فاستمرار الصراع الداخلي، وغياب قنوات التواصل بين القوى المتخاصمة، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع لفرض وقائع ميدانية جديدة، قد تبتلع معها ما تبقى من الأرض والسيادة. عندها، تصبح كل الخلافات عبئًا بلا جدوى.
خلاصة القول إن زيارة عباس عراقجي تمثل محاولة إيرانية لكسر حالة الانقباض، وفتح صفحة جديدة مع لبنان بأسره. لكنها، في الوقت نفسه، اختبار للبنانيين: إما مصافحة اليد الممدودة بعقل بارد وحوار وطني جامع، أو ترك البلاد رهينة صراعات داخلية وخارجية لا رابح فيها. ولعل في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن داء الأمم تذكيرًا بليغًا بأن التباغض والتدابر طريق إلى الهرج، لا إلى الخلاص.