العلاقات الأوروبية الأميركية مهمة جدا للطرفين طبعا، لكنها مهمة جدا أيضا للعالم أجمع اذ تؤثر على نسب النمو العالمية كما على مدى تطور تجارة السلع والمال بينهما وفي الاقتصاد العالمي. تزداد المواجهة حماوة بين ادارة الرئيس ترامب، ولا نقول الولايات المتحدة، ودول الوحدة الأوروبية. تحاول القيادات الأوروبية استرضاؤه لابقاء العلاقات مقبولة وعدم التهور في مواجهات مكلفة حكما للطرفين، وإن بنسب مختلفة. حاول مؤخرا الرئيس الفرنسي كما رئيس الوزراء البريطاني من خارج الوحدة تسهيل التخاطب بينهما وعدم الوقوع في مواجهات حامية يصعب تخفيفها فيما بعد. يريد الأوروبيون الاستمرار في العلاقات الحالية بين جانبي المحيط الأطلسي لكن هذا غير مقبول من قبل الرئيس ترامب الذي يريد تغيير العلاقة حتى تصبح متوازنة في رأيه أو تصبح لصالح الولايات المتحدة كما يريدها هو.
ما الذي يزعج الرئيس الأميركي وما هي الحلول التي يقترحها للحفاظ على العلاقات الممتازة بين المجموعتين؟
أولا: في السياسة حيث ساهمت الولايات المتحدة بقوة في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. أبقت ألاف من جنودها لحماية أوروبا الغربية من الخطر الآتي شرقا من الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو الذي أنشأ لمواجهة الغرب. في المقابل أنشأت الولايات المتحدة مع حلفائها الغربيين حلف شمال الأطلسي لحماية دولها من الخطر الآتي من الشرق. أنفقت الولايات المتحدة الكثير لتقوية جيشها ومساعدة أوروبا وحمايتها. يطالب ترامب أوروبا اليوم بالانفاق أكثر على الدفاع وبالتالي حماية نفسها من المخاطر، علما أن لا شيء يحمي أكثر من الديبلوماسية والاتفاقيات الاقتصادية المفيدة للطرفين.
أوروبا غير قادرة عمليا اليوم على الانفاق الكبير وبسرعة على الدفاع. تواجه تحديات اجتماعية داخلية تتطلب من حكوماتها الانفاق أكثر على التربية والصحة والضمانات الاجتماعية والبنية التحتية وغيرها. يقول ترامب أن حرب أوكرانيا لم تكن لتحصل لو عرفت أوروبا عبر السياسة والحوار تجنبها. يقول أيضا انه حتى خلال الحرب، كان يمكن للأوروبيين وقفها عبر التواصل مع مختلف الفرقاء وخاصة روسيا. في التمويل، قامت أميركا بالكثير ويقول ترامب أن ما أعطته أوروبا أقل بكثير وهي ديون وليست هبات. باختصار يعتقد ترامب أن أميركا مظلومة ولا بد من تصحيح المسار بشكل منطقي وعادل.
في السياسة أميركا مع ترامب تغير أهدافها من الراعي الوصي على أوروبا الى الشريك في كل شيء تخفيفا لالتزاماتها المادية والانسانية. يهم أميركا اقتصادها متجاهلة التحديات البيئية والاتفاقيات التجارية والمؤسسات الدولية التي ترعى العلاقات الدولية. تحاول أميركا الانعزال لكن هذا غير مقبول دوليا وحتى في الداخل، وسينعكس هذا الواقع على الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. أما فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فأميركا هي الفريق والحكم ولا يمكن التقدم في أي شيء من دون مساعدة ومشاركة أو وصاية أميركا. تحتاج المنطقة الى المساعدة الخارجية غير الطبيعية لأن العلاقات العميقة فيما بين الدول العربية ليست على خير. ليست هنالك مؤسسات ناشطة تجمع بل حقيقة ننتظر الرعاية الخارجية التي لم تكن لتأتي لولا رغبتنا وربما تشجيعنا لها. غزة ولبنان نموذجان واضحان لواقعنا المؤسف والمزمن.
ثانيا:وقت التساهل الأميركي انتهى، وحان لأوروبا ودول العالم حليفة أو عدوة أن تسدد ديونها لأميركا. تفرض التعريفات الجمركية لهذا السبب مما يسبب خسائر للاقتصاد العالمي وحتى للأميركيين أنفسهم الذين اعتادوا على الاستهلاك الدولي من سيارات وسلع تكنولوجيا ومأكولات وأجهزة منزلية وغيرها. تعسرت أوروبا مؤخرا كما ظهر جليا في الانتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة، حيث تدنت شعبية الحزب الحاكم الى نسب دنيا وفاز الحزب الديموقراطي المسيحي. هنالك 5 أسباب لمعاناة أوروبا وعدم قدرتها على تنفيذ ما يطلبه ترامب، وبالتالي تسديد الفاتورة ربما سيكون سياسيا وليس اقتصاديا. عانت أوروبا من خمسة أمور: تكلفة الطاقة الناتجة عن الحرب الأوكرانية، تحول الصين الى اقتصاد منافس بينما كان من زبائن أوروبا، انخفاض الاستثمارات الأوروبية الداخلية على كل شيء، النقص الكبير في الكفاءات العمالية والادارية والتقنية وأخيرا الفساد الاداري والبيروقراطية القاسية التي عرفت بها أوروبا منذ عقود. أوروبا غير قادرة على المواجهة لكن الصراع يبقى أقل تكلفة من الخضوع للمطالب الأميركية.
ثالثا: العلاقات الانسانية لا بد وأن تتأثر سلبا بالأجواء الجديدة المشحونة. من نتائجها سيكون انخفاض حجم التبادل التجاري والمالي وانخفاض عدد السواح من الجانبين كما انخفاض عدد الطلاب الذين يدرسون في الخارج. فالتواصل الدولي الانساني الذي عرفناه منذ الحرب العالمية الثانية سيتأثر سلبا مما يضر بالجميع في كل مكان.
كيف ستكون طبيعة الحلول لتخفيف حماوة الصراع؟ لا شك أنها ستكون اقتصادية أي يحصل ترامب على المعادن الأوكرانية وينهي الصراع مع روسيا دون أن تسترد أوكرانيا أرضها. ستقوم أوروبا بزيادة انفاقها العسكري لكن أقل بكثير مما يريده ترامب. ستطبق التعريفات الأميركية على الاستيراد لكن الدول المصابة ستتعاون لتخفيف حماوة الصراع ولن تواجه. كندا ستبقى مستقلة ولن تكون الولاية الأميركية الـ 51، كذلك المكسيك ستبقى مستقلة مع تشديد أكير وأقصى على الحدود لمنع الانتقال غير الشرعي بل لتطوير شروط الانتقال الشرعي لأن أميركا تحتاج الى اليد العاملة الكفوءة وبالتالي تنتظم العلاقات مع دول أميركا الوسطى والجنوبية.
رابعا: مشكلة أميركا الاقتصادية الجدية ستكون مع الصين القادرة على المواجهة في كل الميادين. اضاعة الوقت في المواجهات الجانبية مع الحلفاء يضر بهم ويعطي الوقت للصين لتتطور وتنمو وتحسم صراعاتها الأسيوية مثلا مع تايوان وهونغ كونغ وكوريا. الصين كبيرة داخليا في السكان والانتاج ومؤخرا في الاستهلاك، لكنها متواضعة دوليا. لن تبقى كذلك وسيأتي «ترامبها» للمطالبة بحقوقها وتكبير حجمها ولعب دور أكبر وأقوى دوليا ليس فقط في السياسة وانما في الاقتصاد أيضا.