ركزت زيارة الرئيس ترامب الأخيرة الى المنطقة على عاملين مهمين أولهما توقيع عقود تجارية واستثمارية سخية مع دول مجلس التعاون الخليجي وثانيا الغاء العقوبات على سوريا كما التهديد بها أو بما يشبهها لمن يحاول التمرد على النظام «الدولي». العقود الموقعة مع دول الخليج ستكون ذات فائدة كبرى على الجانبين وستساهم خاصة في تنشيط الاقتصاد الأميركي الذي عانى ويعاني من سياسات التعريفات الجمركية المتقلبة والمضرة. من ناحية سوريا ما حصل من الغاء للعقوبات بانتظار معالجة ظلم قانون «قيصر» سيسهل طبعا كل أنواع العلاقات الاقتصادية بينها والعالم، وأهمها لنا بين لبنان وسوريا. يمكننا أن نأمل منذ اليوم بعودة جزء مهم من السوريين الى بلدهم حيث الحاجة لهم ستكون كبيرة مع بدء عملية الاعمار. نتطلع الى تحقيق مشاريع مشتركة في البلدين في كل القطاعات. كما سوريا مهمة جدا للبنان، كذلك الأمر لبنان مهم جدا لسوريا في كل جوانب العلاقات الانسانية والثقافية والاقتصادية.
في الواقع شكلت العقوبات جزئا أساسيا من السياسة الترامبية التي تفصل بين الدول «المنضبطة»، في رأي الرئيس الأميركي، وتلك «المتمردة» في رأيه أيضا. يعتمد جزء مهم من السياسة الخارجية الأميركية على تنفيذ عقوبات اقتصادية (تجميد ودائع، منع التبادل التجاري، وضع تعريفات جمركية مرتفعة، وقف المشاريع الاستثمارية وغيرها) على دول معادية أو ربما لا تنفذ تماما ما تطلبه منها الولايات المتحدة في السياسة والأمن وربما الاقتصاد. وضع عقوبات هو اجراء جدي جدا وبالغ الخطورة عموما اذ يؤخذ عادة بعد استنفاد كل الوسائل السلمية والحوارية.
يمكن أن تؤذي العقوبات الاقتصادية المصدر والهدف، وبالتالي يجب وضع دراسات حسابية دقيقة تقيم الأرباح والخسائر على كل الأطراف قبل تطبيقها. أشهر العقوبات المزمنة والمستمرة هي المفروضة منذ عقود على كوبا بسبب الخلافات السياسية والعقائدية التي تنعكس على الانتخابات الأميركية، حيث يشكل اللوبي المعادي لنظام كاسترو قوة ضاغطة خاصة في الولايات الجنوبية الفاصلة كفلوريدا. هل أعطت هذه العقوبات نتائج ايجابية؟ لم تؤد طبعا الى سقوط نظام كاسترو لكنها حتما أثرت سلبا على النمو الاقتصادي وبالتالي على أوضاع الفقراء الكوبيين. ساهمت أيضا في زيادة الفساد التجاري والخدماتي الناتج عن ازدهار التبادل غير الشرعي وتهريب الأشخاص بطرق غير قانونية. فالسيغار الكوبي مثلا موجود علنا في أميركا ويأتي اليها بطرق متعددة مباشرة أو غير مباشرة. تهريب الأشخاص الراغبين في الهجرة في القوارب الصغيرة الخطرة مقابل حفنة من المال يشكل أكبر دليل على الاهانة التي يمكن أن يتعرض لها أي انسان مظلوم، وهذا ما تشهد عليه التطورات الانسانية في منطقتنا.
من العقوبات الاقتصادية الأميركية الشهيرة هي التي فرضت عبر الأمم المتحدة على العراق بشأن أسلحة الدمار الشامل والتي تبين أنها غير موجودة. ساهمت في ضرب النمو الاقتصادي العراقي وبالتالي ألحقت الضرر والظلم والقهر بالفقراء دون أن تجدي في موضوع الأسلحة. وضعت الأمم المتحدة برنامج «النفط مقابل الغذاء» للسماح للعراقيين بالعيش بالحد الأدنى. أشار تقرير «بول فولكر» بشأن البرنامج الى الفساد دون أن يتهم الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان شخصيا به. في كل حال، اذا وجدت مخالفات في برنامج اقتصادي معيشي بهذه الأهمية، لا بد من أن يتحمل المسؤول تبعات أهماله. المهم في العقوبات على العراق انها أدت الى تغيير كبير في أوضاعه بدأت تتحول مؤخرا الى ايجابيات مع الادارات الجديدة.
لا ننكر أن للعقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة لأسباب سياسية وحتى اقتصادية نتائج سلبية على الاقتصاد الأميركي نفسه كما يحصل اليوم مع الصين حيث تتسابق الدولتان الى تخفيض نسب التعريفات الجمركية حماية لاقتصاديهما والتجارة المشتركة. فالصادرات الأميركية الى الدول المعاقبة تخف كثيرا وكذلك الاستثمارات، وبالتالي تذهب الأسواق الى شركات منافسة غير أميركية. يصبح التأثير السلبي نسبيا أقوى في ظروف اقتصادية متعثرة كما هو الحال في أميركا مع عجزين كبيرين في الموازنة والميزان التجاري. لذا يرغب الأميركيون عموما في أن تتحول العقوبات من أميركية الى دولية بسرعة لتصبح أقسى وأقوى حماية لمصالحهم. في الواقع تشكل العقوبات ضريبة يفرضها الأميركيون على أنفسهم وعلى الغير.
وضعت العقوبات الاقتصادية الأميركية على العديد من الدول بينها ايران وليبيا وكوريا الشمالية والسودان، بعضها عدل وبعضها الآخر ألغي لأسباب سياسية. أميركا اليوم غير أميركا الأمس وبالتالي يجب التعامل مع الواقع الجديد بدقة وموضوعية. لا يمكن للعقوبات أن تؤدي وحدها الى النتائج السياسية التي وضعت من أجلها. العقوبات ذات المصدر الواحد تكون عموما غير مجدية بعكس العقوبات المدعومة من الأمم المتحدة والممارسة عالميا. تدل التجارب على أنه من السهل عموما وضع عقوبات اقتصادية على دولة ما، لكن من الصعوبة بمكان رفعها. من الصعب ايجاد عقوبات اقتصادية دولية قصيرة الأجل بسبب استفادة البعض من الفساد الذي يرافقها وبسبب وجود نوع من الشعور الوطني الذي يمنع المعاقب من تنفيذ كل أهداف العقوبات المعلنة وغير المعلنة. من المنطق القول ان وضع عقوبات هو بمثابة اعلان حرب ضد مجتمع أو نظام ما.
هنالك خطر كبير من تعميم ثقافة العقوبات محليا ودوليا. من يقرر ومتى وما هي المعايير المقبولة للعقوبات وما هي المسببات الدقيقة لها؟ القوي يعاقب الضعيف ومن يحكم بالعدل والحق؟ ما هي الأسباب المهمة المبررة لعقوبات اقتصادية تظلم في معظم الأوقات الفقراء الذين لا يملكون البدائل وغير قادرين على التهرب منها. ما هي الحدود بين عقوبات يمكن أن تكون مبررة وأخرى ظالمة تهدف فقط الى اخضاع المعاقب؟ «القوي دائما على حق؟» ومن يحكم؟ اسئلة لا بد من الاجابة عنها دوليا في مرحلة ما بعد ترامب.