بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 تشرين الأول 2025 05:35م ثورة ثقافية لبنانية

حجم الخط

لبنان اليوم يعيش مرحلة شديدة الالتباس في المعاني والتوجهات، تتقاطع فيها الهزائم السياسية مع الضياع الثقافي، والفرد اللبناني يجد نفسه محاصراً بين ذاكرة مثقلة بتراكمات الماضي وواقع يفتقد إلى البوصلة نحو المستقبل، فالمكونات السلطوية تبدو منفصلة عن الواقع وتستمد شرعيتها من معايير قديمة للنجاح والفشل، بينما يعيد العالم تعريف مفاهيم القوة والثروة والدولة، والدول الكبرى باتت تعترف بأزماتها التعليمية والصحية والبنى التحتية، بينما المجتمعات العلمانية تشهد صعود تيارات دينية متشددة تقصي وتقصى، وتزيل الحدود بين التقدّم والتخلف.

ان الخطر الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على المال والامن والسياسة، بل هو خطر انهيار الوعي الوطني، فقد بدل الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي طبيعة الإدراك الإنساني، وألغيا المسافة بين المعلومة والمعنى، ولم يعد المثقف التقليدي حامل المعرفة، بل صار كل إنسان يمتلك آلة تجيبه عما يشاء، لكنه في المقابل يفتقد إلى القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين ما يقال وما يفهم. 

          الهزائم المتتابعة السياسية والمالية والمجتمعية والعسكرية اكدت هشاشة توازنات القوى في المنطقة، وكشفت اوهام التوازن الاستراتيجي التي عاشها لبنان خلال عقود الوصاية الطويلة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى النخب الواعدة في الوطن والانتشار، كي تسهم في إنقاذ لبنان من التحلل والفشل والضياع، وتعيد توجيه الأجيال نحو وعي وطني جديد يقوم على ثقافة التسامح والانتظام بعد زمن طويل من ثقافة الكراهية والإقصاء والهيمنة والاغتيال. 

الثقافة هي الوعي الجماعي المتجدد، وخلاص لبنان من اوهامه  يحتاج الى  ثورة ثقافية لبنانية تحدث صحوة معرفية تعيد تعريف المواطن بذاته وبأسباب انتظام دولته بعد عقود على  تفكك الدولة نتيجة ثقافة النزاع والكراهية، ثورة ثقافية تحدث موجات تحديثية وتصوب معايير ومعاني الفرد والجماعة، والشراكة والهوية، والخيانة والولاء، والصح والخطأ، والفشل والنجاح، وعابرة لكل الاجيال والقطاعات والمناطق، وتعيد تشكيل الوعي الوطني على قاعدة تغليب ثقافة ادارة الحلول بدل الاستغراق في ادارة الازمات، ولبنان لن ينهض بخطاب سياسي جديد، بل بعقل جديد يعيد بناء الخيال الجماعي ويحتضن كل اللبنانيين  في قلب الدولة الوطنية.