بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 آذار 2026 12:30ص جريمة بحق الوطن

حجم الخط
تتسارع التداعيات الدرامية لإقحام حزب الله لبنان في أتون الحرب المشتعلة في المنطقة، في خطوة اتسمت بقدر عالٍ من التسرّع وسوء التقدير الاستراتيجي. فمنذ اللحظة التي بادر فيها الحزب إلى إطلاق الصواريخ عبر الحدود الجنوبية، منح العدو الإسرائيلي الذريعة التي كان يتحيّنها لتوسيع نطاق عملياته العسكرية ضد لبنان، تحت عنوان "الردع" حينا، وبحجة "القضاء على البنية التحتية العسكرية للحزب" أحياناً.
حزب الله، منذ تأسيسه، يعلن صراحة التزامه العقائدي والسياسي بمرجعية الجمهورية الإسلامية، ويتعامل مع نفسه كجزء من محور إقليمي تقوده طهران. وبالتالي، فإن أي قراءة لقرار الانخراط في مواجهة واسعة مع إسرائيل تبقى ناقصة إذا أغفلت هذا الارتباط البنيوي.
في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أنّ اندفاعة الحزب نحو تبنّي عملية الصواريخ ثم الانخراط في مواجهات يومية لا تنفصل عن الحسابات الإيرانية الأوسع في إدارة الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة. فإيران، التي تخوض صراع نفوذ ممتد من لبنان إلى العراق واليمن، تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها ورقة ردع استراتيجية. ومن هذا المنظور، يصبح لبنان ساحة متقدمة في صيغة إقليمية تتجاوز حدوده ومصالحه المباشرة.
الإشكالية الجوهرية هنا أن حسابات الدول تُبنى على أولوياتها الوطنية، فيما لبنان، بحكم هشاشته البنيوية وأزمته الاقتصادية العميقة، لا يملك ترف التحول إلى منصة لتبادل الرسائل، أو تحسين شروط تفاوض إقليمي. فإذا كان القرار العسكري للحزب يتأثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بإيقاع المواجهة بين طهران وخصومها، فإن الكلفة تُدفع حصراً من الداخل اللبناني: دمار في البنية التحتية، تهجير جماعي، شلل اقتصادي، وتعميق الانقسام الداخلي.
إن إدراج العامل الإيراني لا يعني إعفاء إسرائيل من مسؤولية عدوانها، لكنه يسلّط الضوء على خلل بنيوي في آلية اتخاذ القرار داخل لبنان. فحين يرتبط قرار الحرب والسلم باستراتيجية إقليمية أوسع من الدولة اللبنانية، تصبح المصلحة الوطنية في مرتبة ثانوية. وهذا ما يفسّر التباين الصارخ بين التطمينات التي قُدّمها الحزب للمسؤولين اللبنانيين بعدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وبين الوقائع الميدانية التي أثبتت العكس.
من زاوية إنسانية، تبدو هذه المفارقة أكثر قسوة. فالنازحون من بيئة الحزب في الضاحية والقرى الجنوبية لا تعنيهم توازنات الردع الإقليمي، ولا حسابات الرسائل المتبادلة بين العواصم المتخاصمة. ما يعنيهم هو سقف يؤوي أطفالهم، ودفء يحميهم من برد الشتاء، وضمانة بعدم تكرار مشهد النزوح كل بضع سنوات. وعندما يُدفع بهم إلى العراء في سياق صراع تتجاوز دوافعه حدود الدولة، فإن الشعور بالغضب والإحباط يتضاعف.
إن الخطأ الجسيم لا يكمن فقط في إطلاق الصواريخ، بل في القراءة القاصرة لموازين القوى الإقليمية والدولية، وفي تجاهل هشاشة الوضع الداخلي اللبناني. لبنان اليوم ليس في موقع يسمح له بتحمّل حرب استنزاف جديدة، لا اقتصادياً ولا اجتماعياً ولا سياسياً. ومع ذلك، اتخذ الحزب قرار الانخراط في المواجهة خارج الأطر الدستورية، ورغم معارضة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، وفي مقدمتهم فعاليات الطائفة الشيعية الرسمية والسياسية .
لا يمكن توصيف ما جرى إلا باعتباره تصرفاً يفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية. فحين يُزَجُّ وطن بأكمله في حرب غير محسوبة،  فإن المسألة تتجاوز الخطأ السياسي إلى مستوى الجريمة المعنوية بحق الوطن. إن حماية لبنان تبدأ بصون سيادته وقراره، وبوضع حياة وأمن وإستقرار أبنائه فوق أي اعتبار آخر، لا بتحويلهم وقوداً في صراعات خارجية تفوق طاقتهم وقدرتهم على الاحتمال.