أكتب هذا المقال قبل ساعات معدودات من انعقاد جلسة مجلس الوزراء في بعبدا برئاسة الرئيس جوزف عون لدرس موضوع اتخاذ قرار، يحقق خطاب القسم والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام، لجهة حصر السلاح بيد الدولة، كخطوة أساسية على طريق استعادة سيادتها الكاملة على كل شبر من جغرافية لبنان. من الطبيعي ان تسيطر خلال هذه الساعات الفاصلة عن موعد انعقاد الجلسة اجواء من الشك والغموض حول قدرة السلطة التنفيذية على اتخاذ قرار حاسم في موضوع تسليم حزب الله لسلاحه، بعدما اعلن امينه العام الشيخ نعيم قاسم، وقيادات سياسية ودينية رفضهم لمطلب تسليم سلاح الحزب، والذي ترافق مع تهديدات مختلفة اقلها القيام بتحركات شعبية تثير حالة من الفوضى العارمة في بيروت وضاحيتها الجنوبية، على غرار ما حدث في ايار عام 2008، وذلك بالرغم من اختلاف الظروف وقدرات الحزب السياسية والعسكرية في ذلك العام. وحالة الضعف والارهاق، الى حد الهزيمة السياسية والعسكرية التي مُنِيَ بها في حرب اسناد غزة، بالاضافة الى فشل ايران في مواجهتها الشاملة مع اسرائيل ومع الولايات المتحدة.
تؤشر جميع المواقف التي عبّرت عنها مختلف القيادات والقوى المتمثلة على طاولة مجلس الوزراء خلال الايام القليلة الماضية الى اجواء التوتر التي ستسيطر على المناقشات والى استحالة التوصل الى قرار يحقق للدولة القدرة على استعادة سيادتها في ظل الاجواء الضاغطة التي يتعرض لها العهد والحكومة داخلياً وعربياً ودولياً، والتي لا تهدد فقط العهد ووعوده وقدرته على قيادة البلاد الى برّ الامان، بل باتت تهدد بانفراط عقد الحكومة سواءٌ من استقالة وزراء الثنائي الشيعي، او من خلال الضغط في الشارع من اجل تعميم حالة من الفوضى، ظهرت ملامحها في مظاهرات الدراجات النارية التي نفذها انصار حزب الله في الضاحية عشية انعقاد جلسة مجلس الوزراء.
في رأينا لن يكتفي حزب الله في مواجهة اي موقف جدّي داخل مجلس الوزراء لبحث قرار حصرية السلاح بيد القوى الشرعية بالتهديد عبر التسريبات والتصريحات الاعلامية، بل سيتعدى ذلك بدعوة انصاره للنزول الى شوارع العاصمة على غرار ما حدث في عام 2005 عند خروج الجيش السوري من لبنان او في ايار عام 2008 بقصد التصدي لقرارات مجلس الوزراء للحد من هيمنته على الداخل اللبناني.
خلال جلسة مجلس الوزراء ستجد جميع الاطراف والقوى السياسية المتمثلة حول الطاولة نفسها محشورة واسيرة مواقفها ومصالحها، وستعمل كل ما في وسعها لتحقيق غاياتها. ويمكن ان نتصور على الاقل واحدا من ثلاثة سيناريوات يمكن ان تنتهي اليها المناقشات المحتدمة:
1- اتخاذ مجلس الوزراء بالاكثرية قراراً حاسماً وواضحاً حول حصرية السلاح بيد القوى الشرعية، وبالتالي تحقيق مشروع الرئيس عون باستعادة الدولة لسيادتها الكاملة وغير المنقوصة، وفتح الطريق بالتالي لحصول لبنان على الدعم الاميركي والاوروبي والعربي «الموعود» وبما يفتح الباب للبدء بتحقيق اولويتين: اعادة البناء وتسريع مشروع بناء الدولة بما فيه تقوية الجيش بأموال تصل الى مليار دولار على مدى عشر سنوات، وفق الرؤية التي عبّر عنها الرئيس عون. ومن المتوقع في حال الخروج بقرار حاسم ان يقرر مجلس الوزراء احالته الى المجلس الاعلى للدفاع لوضع الآليات ورسم خارطة الطريق لتنفيذه وفق روزنامة زمنية، تمتد مبدئياً حتى نهاية العام.
2- حصول انقسام شديد في مجلس الوزراء يهدد بقاء الحكومة، ويؤدي بالتالي الى ايجاد مخرج لتأجيل الحسم من خلال تشكيل لجنة لتجاوز الاشكاليات المثارة، على ان تحيل اللجنة الى جلسة لاحقة (قريبة) تقريراً حول المخارج الممكنة، لتجاوز كل التعقيدات المثارة، مع تحقيق وحدة الحضور الشيعي المتمثل بغياب وزيري المال والعمل عن الجلسة بداعي السفر. انه مخرج ممكن لتأخير البت بالامر لايام معدودة شراءً للوقت، وتوفيت مؤقتاً حصول الازمة التي يهدد حزب الله باثارتها.
3- ارتفاع مستوى الضغوط من قبل حزب الله وأمل، وحصول انقسام حاد بين الوزراء يؤدي الى تفادي تفجير الحكومة من الداخل، وفتح الباب لحصول ازمة ميثاقية من خلال عرقلة حكومة بديلة برفض الثنائي الشيعي المشاركة فيها، قبل حصول تسوية دائمة حول احتفاظ الحزب بسلاحه وبالتالي فتح الباب لافشال عهد جوزف عون واسقاط كل الآمال التي وافقت انتخابه بحل ثنائية السلاح واعادة بناء الدولة السيدة المستقلة.
استبق حزب الله جلسة مجلس الوزراء بجهود سياسية مكثفة لتأجيل المأزق الذي يواجهه اليوم، ولكن جهوده باءت بالفشل، وكان الدليل على ذلك الخطاب عالي اللهجة الذي ألقاه الرئيس عون في قيادة الجيش عيشة عيد الجيش في اول آب. واستمر حزب الله في مساعيه السياسية المكشوفة أولاً، من خلال ارسال وفود سياسية للاصدقاء والحلفاء طلباً لمؤازرتهم السياسية وابرزها زيارة العماد ميشال عون والتيار الوطني الحر، وثانياً من خلال استعمال وسائله التقليدية القائمة على التخويف وعلى التهديد باثارة الفوضى في الشارع.
قبل معرفة اي شيء عن ماهية المناقشات الجارية داخل جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في بعبدا اثناء كتابة هذه السطور، لا بدّ من التذكير بأن المطلوب وبإلحاح التوصل الى قرار دستوري حول تحقيق سيادة الدولة اللبنانية على اراضيها، كما انه مطلب دولي وعربي لاستعادة الدولة اللبنانية لمشروعيتها الدولية، كدولة سيادة، وخارج التبعية التي فرضها حزب الله عليها لصالح ايران اولاً والنظام السوري ثانياً. ومنذ عام 2000 وحتى اليوم.
يقف لبنان اليوم امام فرصة ذهبية للاستفادة من الظروف الدولية والغربية والداخلية المؤاتية لتحرير ارضه واستعادة قراره الحر والسيد من كل الارتهانات السابقة المفروضة عليه منذ ما يقارب ثلاثة عقود، ويدرك الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بأن كل الدعم الذي لقياه للوصول الى الرئاسة وتشكيل الحكومة الراهنة لم يكن ليتوافر دون وجود رؤية وارادة عربية ودولية لخلاص لبنان من الهيمنة الايرانية و«محور الممانعة» الذي تقوده طهران وبدعم من نظام بشار الاسد قبل سقوطه.
وتفيد آخر الاخبار المتسرّبة من داخل جلسة مجلس الوزراء عن حصول مشادة بين الوزراء، استدعت الرئيس عون الى تأجيل بحث حصرية السلاح كآخر بند في جدول الاعمال. لكن تؤكد المعلومات نفسها ان القوى داخل مجلس الوزراء المؤيدة لقرار نزع السلاح لن ترضى أو تسمح لتأجيل بحث هذا البند الى جلسة بعيدة او مؤجلة وستطالب بادراجه على جلسة قريبة قد تعقد يوم الخميس المقبل.
ويعلم الجميع، بمن فيهم الرئيس عون، بأنه لم يعد لدى السلطة في لبنان ترف استعمال الوقت او تدوير الزوايا، بعد ان تعب المجتمعان الدولي والعربي من هذه اللعبة المكشوفة.
الاستحقاق باتخاذ قرار حاسم بنزع سلاح الحزب مطلوب اميركياً، وذلك على اعتبار انه يشكل خطوة اساسية على طريق تحقيق تغييرات جيوسياسية جوهرية على مستوى المنطقة ككل، تشمل سوريا والقضية الفلسطينية، وتحدّ من النفوذ الايراني في الاقليم بالاضافة الى تسوية نهائية للبرنامج النووي الايراني، وخصوصاً لجهة وقف تخصيب اليورانيوم داخل ايران.