يوم الإثنين 19 كانون الثاني 2026 أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع مكالمة هاتفية بالرئيس دونالد ترمب للتداول معه في الأحوال السورية غير المستقرة. مثْل هذا التكالم الهاتفي العابر الأجواء والمحيطات بين الرئاسة السورية والرئاسة الأميركية يمكن إعتباره حالة إستثنائية، كون المألوف هو أن رئيس الدولة العظمى يُجري إتصالاً هاتفياً مع حليف أو مع منافس في زعامة العالم في حالات إستثنائية. كما ليس مألوفاً أن يُجري بعض رؤساء دول العالم الثالث إتصالاً مباشراً بالرئيس ترمب، وليس في مشهد الإتصالات أن الرئيس ترمب يبادر من جانبه على أساس أنه رئيس الدولة الأعظم التي رئاسته الجديدة ذات طابع أمبراطوري.
بعد هذه المكالمة بأسبوع قام الرئيس السوري بزيارة إلى موسكو المكلَّلة بالثلوج للقاء الرئيس فلاديمير بوتين على أن يعود في اليوم نفسه إلى دمشق، وتلك إستثنائية في سجل الزيارات الرئاسية العربية إلى موسكو، بدءاً بزيارات كل من الرؤساء (الراحلين) جمال عبدالناصر وأنور السادات وحافظ الأسد وحسني مبارك.
معنى الزيارة التي قام بها الرئيس الشرع أن أموراً بالغة الأهمية برسم الحدوث، قد تكون إبلاغ الرئيس بوتين بأن الضغوط الأميركية – الإسرائيلية عليه توجب أحد أمريْن: إما إنخراط روسيا في الحراك الأميركي – الروسي وهذا عائد له، وإما أن يتفهم الرئيس بوتين حجم ضغوط الإدارة الأميركية عليه لإتخاذ خطوات من بينها أن «وزارة الحرب» الأميركية ستقيم قاعدة لها في أرض ليست بعيدة عن العاصمة دمشق، وفي هذه الحال فإن كثير التناقض لا بد سيحدُث ما دام هنالك لروسيا قاعدة جوية بالغة الأهمية وإن كانت بعيدة عن دمشق، إلى القاعدة البحرية كونها المنْفَذ الروسي الوحيد على البحر المتوسط، فضلاً عن أن القاعدة البحرية الروسية على شاطىء البحر الأحمر السوداني لم تكتمل ثباتاً. ومِن أجْل هذيْن الحضوريْن العسكرييْن الجوي والبحري، لا يتحمل الرئيس بوتين أي تعديل أو إلغاء لهما. بل إنه من أجْل ذلك قد يمتشق سيف التحدي برفضه أي تعديل، كما ربما يُخرج ورقة ضيفه الرئيس بشَّار الأسد يلوِّح بها وبذريعة أن الأسد الإبن لم يستقِل ولم يعلن طي صفحة الولاية الأسدية الطويلة، كما إلتزم كل الإلتزام بموجبات اللجوء الذي أراح «روسيا البوتينية» و»سوريا الشرعية». هنا يلمس المتابع مثْل حالنا للتطورات لماذا إختار بشَّار اللجوء في موسكو وليس في إيران الأقرب مسافة وتعاطفاً مع نظامه الذي تهاوى.
بالإضافة إلى «القلق الشرعي» مِن محاولات أميركية – إسرائيلية لوضع النظام الجديد أمام الامر الواقع أوجبت إتصاله الهاتفي غير المسبوق بالرئيس ترمب وزيارته إلى موسكو ليوم واحد وكأنما هي زيارة تفقدية منه لمدينة حلب أو اللاذقية، هنالك المنظمات المسلحة والتي لكل منها تطلعاتها وبرنامجها وتوقها إلى المشاركة في السُلطة. ومع أن الحكومة السورية أعطت الكرد الكثير من الأكثر التواقين إليه، إلاَّ أن الأمور لن تستقر إلاَّ إذا ساعدت الإدارة الأميركية في ترويض هذه المنظمات وليس إرجاء هذا الترويض بذريعة أن هذه المنظمة أو تلك تفيد عند الضرورة في ترسيم معادلات إقليمية ترى الإدارة تلك إستحداثها.
واللافت في سياق الكلام حول المنظمات، تلك الخطوة غير المتوقع حدوثها والمتمثلة في نقْل «العبء الداعشي» مِن سوريا إلى العراق وكأنما تنقص بلاد الرافدين الهموم الناشئة عن ضغوط ثقيلة الوطأة تفرضها الإدارة الأميركية وتتصل بعديد الفصائل الموالية لإيران التي تنام وتصحو مرشداً وحرساً وقوات مسلحة وشعباً على التلويحات الأميركية بتوجيه ضربات غير مسبوقة لرموز الحُكم ومواقع القدرات النووية والحرسية والسلاحية على أنواعها. وبطبيعة الحال إن إيران التي بدورها تهدد عسكرياً على أي عدوان تتعرض له، تحتاج وسْط هذه الظروف إلى إعلان نفير «منظماتها وأحزابها» في كل من لبنان والعراق واليمن، وكان لافتاً على سبيل المثال لا الحصر في التجاوب مع إعلان النفير مؤازرة لها قول الأمين العام ل «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم في «لقاء تضامني مع الجمهورية الإسلامية» جرى الإثنين 26 كانون الثاني في «عاصمة الحزب» الضاحية الجنوبية وسائر المناطق الشيعية «إن حزب الله ليس حيادياً إذا إستُهدفت إيران أو المرشد خامنئي».
ونحن عند قولنا إن العراق تكفيه هموم وإنشغالات يعيشها وجاء نقْل «الدواعش» من سوريا إليه يزيد منسوب الإنشغال، فلأن بلاد الرافديْن تعيش منذ أيام في صدد إنتخابات رئاسية حاسمة، رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، مع ملاحظة أن الذين طرحوا شخوصهم للفوز كانوا أكثر من المعتاد، وكان الصراع بالتالي أكثر إحتداماً في ضوء ما يجري لإيران وما هو قيد الحسم في سوريا التي سجل عهدها الجديد إنفتاحاً مصرياً ملحوظاً عليه من جانب الرئيس عبدالفتاح السيسي، ربما بفعل الضغط المرفَق بالتمنيات من جانب إدارة الرئيس ترمب. وبهذا الإنفتاح المصري عليه وبصيغة التعاون الإقتصادي يكون النظام السوري إستحوذ على إلتفاف عربي شامل حوله إلى جانب الإلتفاف الأميركي. لكن ذلك يحدُث في جانب من المقتضيات العربية - الدولية وعلى نحو الإتصال الهاتفي المفاجىء من الرئيس أحمد الشرع بالرئيس ترمب والزيارة المفاجئة له إلى الرئيس بوتين.
عسى ولعلَّ يتقلص إنشغال البال السوري ومثيله البال العراقي وهذا متيسر الحدوث في ترْك العراق يستكمل الترميم بأنواعه، وفي إنحسار ضغوط ترمب على النظام السوري وقلق بوتين مِن الذي يحدُث في سوريا، التي كانت لبضع سنوات هي وإيران بوابة الكرملين إلى الشرق الأوسط.
ويبقى تذكير كبيريْ زعماء العالم المسيحي ترمب وبوتين بالنصح الطيِّب الوارد في الكتاب المقدَّس «الويل لكم أيها الشِّباع الآن، فسوف تجوعون. إفعلوا للناس ما أردتم أن يفعله الناس لكم».
... والله السميع المجيب.