مشكلتنا اليوم أننا في لبنان في مأزق واقعي يخفف من قدرتنا كمجتمع على النهوض والنمو. لا يمكننا كلبنانيين بسهولة اقرار وتنفيذ سياسات وحلول ومشاريع عامة حتى لو كانت في غاية المنطق ومقبولة من الأكثرية الشعبية. في السياسة اذا اعتمدت الحكومة مواقف داخلية أو خارجية واضحة، يقع البلد بسهولة مع أو من دون منطق في مأزق. الحلول لا تقر بالديموقراطية ومع أكثرية وأقلية مما يجعل من مهمة الحكم في لبنان عملية شاقة بل شبه مستحيلة. الأكثرية في لبنان لا تعني الكثير، اذ لا يمكنها اقرار أي شيء خاصة عندما تكون الأقلية غير راضية ومستعدة للمواجهة. لا تكمن المشكلة في تعدد الطوائف وفي المناطقية الحادة، بل في عدم اقتناعنا واعتمادنا للوسائل الديموقراطية البسيطة والمنطقية. الاجماع، وهو المبدأ الأكثر قبولا في لبنان، هو من أسواء الطرق لادارة البلد اذ يضع كل العراقيل الممكنة وغير الممكنة في وجه المنطق والتقدم. آلية الاجماع غير واضحة والنتائج لن تكون سهلة التنفيذ ومفيدة.
في موضوع توحيد السلاح مثلا تحت سلطة الدولة المركزية، وهو قرار في غاية المنطق ومؤيد حتما من الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. التطبيق متعثر لأن أقلية، مهما بلغ حجمها، لا تريده بل تقف في وجهه بكل الوسائل المتاحة وتصرح علنا بمواقفها. يتعثر اذا تنفيذ القرار، اذ أن المواجهة الميدانية غير مقبولة خاصة واننا تعبنا من الحروب المستمرة منذ 1975 والتي خسرتنا الكثير في الوقت والمادة والبشر. التنفيذ يأخذ الوقت الطويل ضمن معايير السلامة والدقة.
في الأمور الاقتصادية والمعيشية، هنالك حقوق واضحة لموظفي القطاع العام يجب اعطأها لهم وقد حاولت الحكومة ذلك. الذين حصلوا عليها غير راضين لأنها لا تسدد كل الحقوق بل بعضها، لكنها محاولة صادقة من قبل السلطة. كيف يمكن تمويل هذه الزيادات الجزئية المحقة؟ لجأت الحكومة الى الحلول السهلة لأن الحلول المنطقية الصعبة تأخذ الوقت وربما تضع الحكومة في مواجهة مع بعض المستفيدين من الأوضاع.
الحلول السهلة، من وضع ضريبة على البنزين ورفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة، لم ترض منطقيا اللبنانيين في هذه الظروف الداخلية والاقليمية الصعبة. اذا، ما قررته الحكومة بشأن حقوق موظفي القطاع العام لم ترض أحدا وبالتالي زادت المناخ السياسي والاجتماعي سؤا وتوترا. ما المطلوب اذا؟ أولا يجب أن يحصل الموظفون على حقوقهم وربما توزيعها على مدة أطول. ثانيا يجب الحصول على التمويل من مصادر تساهم في تخفيف الفساد وفي توسيع حجم الاقتصاد الرسمي الشرعي. هنا تكمن أهمية ضبط الفساد والهدر مثلا في الجمارك اذ هنالك فرصة كبيرة لتحصيل أضعاف ما يحصل حاليا. كذلك الأمر بالنسبة للأملاك العامة غير المضبوطة حيث تتم سيطرة مجموعات لبنانية على الشواطئ مجانا أو ما يقارب ذلك.
هنالك ضرورة لتوسيع القاعدة الضرائبية بحيث نخفف من الاتكال على الضريبة غير المباشرة ونحصل أكثر بكثير من الضريبة على الدخل والأرباح، اذ نعلم جميعا ونأسف لمدى التهرب الكبير العلني الوقح والفاضح. لا يمكن أن تكون هنالك ادارة عامة فاعلة ومنتجة من دون مبدأي الثواب والعقاب، بحيث نقوي العلاقة بين الموظف العام المالي وغير المالي بمؤسسات الدولة اللبنانية وقوانينها. لا بد وأن نفكر أيضا ببعض الخصخصة السهلة لكن بشروط سخية لمصلحة الخزينة اللبنانية. نفكر هنا خاصة بشركتي الخليوي ويمكن اضافة شركة «ليبان تلكوم» اليهن بحيث تكون لنا 3 شركات خليوية مربحة بسبب عشق اللبناني لهذه الخدمة المهمة والتي تزداد شعبية يوما بعد يوم. هنالك قطاعات أخرى يمكن خصخصتها منها الكهرباء والنقل والمياه والهاتف الثابت وغيرها.
هنالك ضرورة أيضا لتحقيق شراكة استثمارية بين القطاعين العام والخاص في كل القطاعات والمناطق لغاية الربح والانماء. لكن هذا لن يتحقق قبل تأمين شرطين أساسيين، أولهما زيادة الثقة بالدولة ومؤسساتها من قبل مستثمري الداخل والخارج وهذا مرتبط بمدى نجاح الدولة في معالجة الفجوة المالية واعادة الودائع المصرفية. ثانيا، هنالك ضرورة لتوضيح واعلان الفرص الاستثمارية الواعدة التي تستقطب الأموال الراغبة في مشاركتنا في عملية البناء. هنالك مؤسسات عامة متخصصة كـ«ايدال» وخاصة يمكنها توضيح الصورة كي يأتي الينا المستثمرون الراغبون في الربح والانماء. يجب أن نظهر للعالم رغبتنا وقدرتنا على النهوض والتقدم.
أما الاستثمار المباشر في القطاعات الاقتصادية الرئيسية، فيتوقف أيضا على المناخ الاستثماري والاستقرار السياسي وهذا مهم جدا لتحقيق النمو وتوسيع القطاعات وفرصها الاستثمارية. هذه القطاعات المربحة تفيد مباشرة المواطن وخزينة الدولة وتجعل الاقتصاد الوطني أقوى. أخيرا لا يمكن أن نتجاهل أهمية قطاعات البنية الفوقية في تعزيز الانماء وتوعية المواطن بل في خلق مواطن واع ومنتج يساهم مباشرة وبسرعة في انماء بلده. لبنان اليوم أمام ورشة كبرى واسعة اذ ليس هنالك أي قطاع لا يحتاج الى اعادة النظر في ركائزه ومقوماته تعزيزا للانتاجية التي تخلق الثروة وتعزز فرص البحبوحة التي نحتاج اليها جميعا وفي كل الأوقات.