ذكَّرتنا الحرب الاسرائيلية الأخيرة العنيفة على لبنان اننا لم نستطع بعد بناء دولة قوية. أفهمتنا أن ما حققناه منذ بداية التسعينات لم يكن كافياً لبناء مؤسسات عامة متماسكة تعمل ضمن قوانين واضحة يحترمها الجميع. أفهمتنا أننا بحاجة الى مراجعة ركائز البناء بحيث تدرس وتتوحد القرارات الكبرى وتجري المحاسبة للجميع بكل فعالية وشفافية. أفهتمنا اننا بحاجة لبناء دولة ديموقراطية مستقرة تجذب الاستثمارات والسواح وتبقي شبابها وشباتها فيها لبناء المستقبل.
تشير الدراسات الى أن أهم أسباب الفوضى السياسية هو غياب المنافسة الديموقراطية وضعف السلطات. من الخطأ القول أن أسباب التمزق في لبنان هي وجود طوائف ومذاهب وأحزاب متنوعة ومناطقية، اذ انها موجودة في العديد من الدول دون أن تسبب التشتت. لتحقيق الاستقرار السياسي الذي ينعكس ايجابا على المجتمع والاقتصاد، لا بد من تطوير وتحديث مؤسساتنا السياسية ولا بد من اصدار قوانين انتخابية تعطي نتائج صحيحة يقتنع بها الجميع.
تشير الدراسات الى أن الأزمات المالية تقع عموما في الدول التي لا تعرف الديموقراطية أو في تلك التي فيها حريات ضعيفة أو بدائية. لذا يجب تعميق الديموقراطية في القوانين والمؤسسات في لبنان، لحمايتنا من الأزمات المالية المحتملة. مرت تركيا مثلا في أزمات اقتصادية كبرى استطاعت تخطيها بنجاح بفضل النظام الديموقراطي الذي حافظ على حيويته بالرغم من التحديات الداخلية والخارجية. سمح النظام بتداور السلطة بهدؤ ونوعية يشهد لهما العالم أجمع. استمر الاستثمار الأجنبي المباشر بالتدفق الى تركيا.
نستمر في لبنان في ظروف حرب ساخنة مدمرة، وإن يكن بأشكال مختلفة ومع أطراف وجغرافيا تتبدلان؟ أيام الوجع والحزن والقلق تستمر بأشكال مختلفة وبدرجات متغيرة. اعتقدنا أن القلق على السنوات المدرسية والجامعية أصبح من الماضي، فها هو يعود بسبب الأقساط المرتفعة والأجور المتدنية مما يدفع بشبابنا وشاباتنا الى المغادرة. يستمر التهجير كما الموت والدمار مشردا اللبنانيين ومدمرا منازلهم وأعمالهم ودافعا بهم نحو المجهول.
لبنان، دولة المواجهة الوحيدة، يقف اليوم أمام العالم مدعوماً من الدول العربية مجتمعة ليس فقط لوقف النار أو الاعتداءات أو الحرب بل لعمل كل ما يجب كي لا تتكرر الأوجاع والخسائر. المهم تنفيذ حصرية كل السلاح في يد أجهزة الدولة الرسمية. فالحصرية هي ركيزة السلام والبناء ووقف الدمار. الغريب أن كل القوى السياسية موافقة علنا على ضرورة حصر السلاح في يد الدولة، لكن التنفيذ لم يكتمل بعد. في كل حال التكلفة البشرية كبيرة وكبيرة ولا يمكن التعويض عنها. أما التكلفة المادية فباهظة جدا ولا بد وأن يعوض عنها لمرة واحدة وأخيرة.
في الخمسينات بلغ معدل الناتج المحلي الحقيقي الفردي في أميركا اللاتينية 2,5 مرة المؤشر المماثل لشرق أسيا. انقلب الوضع مع بداية هذا القرن حيث تعافت أسيا بسرعة لتنافس اليوم الغرب اقتصاديا. تطورت نسبة الصادرات الشرق أسيوية من المجموع العالمي من 8% في سنة 1980 الى 20% في سنة 2000، بينما لم تزد النسبة في الفترة نفسها في دول أميركا اللاتينية الا من 5,5% الى 5,6%. أما بالنسبة الى الواردات التي تعكس مستوى المعيشة والرفاهية، تشير الأرقام الى دور أكبر لشرق أسيا نسبة لأميركا اللاتينية. حصل التفوق بفضل السياسات المشجعة للتجديد والابتكار والابداع المبنية على نظام تعليمي جديد وفاعل.
سهلت الدول الآسيوية عملية تأسيس الشركات الفردية والصغيرة لأن الابتكارات بمعظمها تأتي من الأفراد وليس من الشركات الكبرى. خصصت الدول الأسيوية أمولا كبرى لدعم البحث والتطوير في الجامعات ومعاهد البحوث، فأعطتها نتائج باهرة. حسنت مستوى تعليم الرياضيات والعلوم في المدارس لتؤسس لجيل جديد يعتمد فكرياً على المنطق والأرقام والتحليل. نعلم جميعنا أن ما يتعلمه الطفل في الصغر يكون «كالنقش في الحجر»، وبالتالي يجب تركيز الجهود على الأجيال الجديدة دون اهمال الأجيال الأخرى.
ما هي الدروس للبنان؟ على الحكومة أولا معالجة الأوجاع البشرية المباشرة وثم البدء بترميم أملاك المواطنين بالتزامن مع تطوير وتحديث البنية التحتية وثم تنفيذ السياسات التي تساعد على تثبيت الاستقرار بكافة جوانبه. التحديان الكبيران اللذان يقفان في وجهها هي أولا الحصول على مساعدات أو هبات كافية وثم تفعيل الادارة العامة ضمن الواقع المعروف بحيث لا يهدر أو يسرق بعض هذه المساعدات.
هنالك أخيرا مفاهيم تنموية كبيرة في زمن العولمة الاقتصادية والتحديات السياسية يجب مواجهتها، وهي احترام حقوق الانسان وحرياته وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية وتحقيق المساواة بين المواطنين. للتفوق في هذا الزمن لا بد من التأسيس بعناية لجيل جديد منفتح قادر على اعطاء دور مستقبلي أكبر للبنان. المطلوب أجيال واعية قادرة على التفكير والتحليل الموضوعيين وتتمتع بالمرونة الفكرية والنفسية الكافية لقبول الآخر ومحاورته وصولا الى الحلول الفضلى. لا بد من التركيز على دور كبير للتعليم، بدأ من المدارس الابتدائية الخاصة والعامة حيث تتأسس داخلها شخصية الانسان ويصبح من الصعب بعدها التأثير على عواطفه وفكره ونفسيته.