بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 أيلول 2025 12:05ص لبنان والدروس الآسيوية

حجم الخط
من السهل جداً وضع حلول للأزمة الاقتصادية اللبنانية الحالية التي تتلخص بناتج محلي اجمالي ضعيف ربما لا يصل الى 30 مليار دولار، بنسب فقر مرتفعة، بتضخم مرتفع، ببطالة عالية وغيرها من المؤشرات القطاعية السلبية.  الحل للأسف ليس بمتناول الاقتصاديين، اذ يكفي أن تحل المشاكل السياسية الأساسية بهدؤ وأهمها توحيد السلاح الداخلي ووضعه في يد السلطة السياسية المركزية الواحدة حتى ينطلق النمو الاقتصادي بسرعة ودون أي مساعدة.  الاقتصاد اللبناني حي وهنالك اهتمام داخلي وخارجي بنا مما يجعل النهوض سهلا وسيتحقق سريعا عندما تهدأ الصراعات السياسية الأمنية العنيفة.
تحضيرا لهذا الهدف لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي بل علينا تطوير البنية التحتية كما الفوقية الى أقصى الحدود.  هنالك حاجة كبرى لتخفيف الفساد واصلاح الادارة وهذا يمكن تحقيقه بسرعة اذا توافرت النيات الحسنة والوسائل التقنية والمالية المناسبة.  من الطبيعي أن تتعلم الدول بعضها من بعض اذ هنالك العديد من التجارب الناجحة التي يمكن الاستفادة منها.  تجربة دول شرق أسيا مهمة جدا وهنالك دروس كبرى يمكن اقتباسها للبنان حتى لو عرفت تلك الدول أزمات فيما بعد.  في الاقتصاد لا توجد هنالك حالات دائما ناجحة بل أن الدورات الاقتصادية تفرض بعض الفشل حتى في وجه الكثير من النجاح.
فيما يخص لبنان يمكننا أخذ التجربة الأسيوية كمثال يمكن التعلم منه بل نسخ ما يناسبنا مع لبننته.  هنالك اجماع دولي حول النجاح الاقتصادي الكبير في اليابان وهونغ كونغ وسنغافورة وتايوان الصينية وكوريا الجنوبية بالرغم من الأزمات القاسية والمصاعب التي مرت وتمر بها.  فالتطور الصناعي الذي حققته هذه الدول منذ سنة 1960 لا مثيل له في التاريخ. ما هي أسباب النجاح الأسيوي، أذ هنالك من يقول بأن تدخل الدولة في الاقتصاد وتوجيه القطاع الخاص نحو انتاج وتصدير سلع معينة كانا المسببان الرئيسيان للتفوق.  هنالك من يقول عكسه، كالبنك الدولي الذي أصدر في التسعينات كتابه الشهير «الاعجوبة الاقتصادية الشرق أسيوية»، أي أن اعتماد هذه الدول تدريجيا ل»مبادئ واشنطن» المحررة للأسواق شكل السبب الرئيسي له.
بينما بنت هونغ كونغ نجاحها على اقتصاد السوق مع تدخل محدود جدا للدولة، لعبت الدولة في سنغافورة واليابان دورا اداريا وتنمويا رئيسيا.  بينما لعبت الشركات الكورية الجنوبية الكبيرة «الشابول» Chaebol (كسامسونغ وداوو وغولدستار وهيونداي وغيرها) دورا رئيسيا في تحفيز النمو بالتعاون الوثيق مع الدولة، نجحت تايوان في اعطاء نتائج مماثلة مع تدخل خفيف للدولة في الاقتصاد.  نشأت «الشابول» في كوريا في العشرينات عندما كانت تحت الاحتلال الياباني أي مشابهة لل»كايريتسو» Keiretsu.  فهي شركات متنوعة خاصة وعائلية مرتبطة بعضها ببعض، ولكن تحت سيطرة الدولة الاقراضية والسياسية.  باختصار اعتمدت اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية على سياسات تجارية حمائية وداعمة للقطاعات، بينما تركت هونغ كونغ وسنغافورة الحرية لقطاعها التجاري.
بينما تركت اليابان وهونغ كونغ الحرية لتنقل رؤوس الأموال منها واليها، وضعت كوريا الجنوبية بعض الحواجز أمامها.  ما كان مسموح به دوليا منذ عقود لم يعد بالضرورة ممكنا اليوم مع وجود صراع فكري وعملي كبير بين الرئيس ترامب والمؤسسات الدولية وفي مقدمها منظمة التجارة العالمية.  في كل حال ركزت الدول الأسيوية على تحقيق نمو اقتصادي قوي وتجاهلت الى حد بعيد العدالة الاجتماعية محدثة ضحايا بين الفقراء.  فهل حصل النمو الاقتصادي على حساب الفقراء وربما التنمية؟  سوء توزع الدخل كان وما زال ظاهرا في المجتمعات الشرق أسيوية، كما تشهد عليه خاصة ظروف وشروط عمل السيدات والأطفال. هل تشكل الأوضاع الأسيوية أوضاعا نموذجية أم هي حالة استثنائية خاصة بهذه المنطقة وثقافتها وحضارتها وتاريخها وشعوبها؟ ما هي مساهمة الادارة العامة، التي تعتبر أفضل من مثيلاتها في الدول الناشئة، في تسبب هذا النجاح؟ يظهر أن الدول المتفوقة اقتصاديا كسنغافورة تنعم بمستوى فساد متدن، والعكس صحيح لدولة كأندونيسيا. لا يمكن حصر الفساد كمسبب وحيد للفشل، علما ان محاربته تكون دائما مفيدة.
من التفسيرات الممكنة لعدم الاجماع الفكري والتطبيقي اعتماد طرق ووسائل مختلفة للبحث والتحليل. من الممكن أيضا أن الباحثين ينظرون الى الموضوع من زاويات عقائدية مختلفة، وبالتالي يحصلون على نتائج متباينة.لا يمكن تجاهل نوعية الاحصائيات التي تختلف بجودتها وشموليتها من دولة الى أخرى.  لا يمكن تجاهل صعوبة البحث وتداخل عوامل كثيرة في التحليل بحيث يصعب عمليا حصر المسببات والنتائج النهائية. يظهر مما سبق أن أوضاع الدول الأسيوية غير متشابهة وان لكل منها ظروفها ومسبباتها التي دعمت نجاحها في ظروف معينة.  تكمن الدروس الفضلى للدول العربية جميعها في تأمين وثم الحفاظ على أعلى درجة من الحريات الاقتصادية وتخفيف الفساد الاداري واعتماد الشفافية والمحاسبة في القطاع العام والتنبه الى مبدأ تضارب المصالح ووضع سياسات اقتصادية اجتماعية تقوي التنافسية.
تؤكد المؤشرات على هوية مصدر أساسي للنجاح الاقتصادي وهو التنافسية المبنية على انتاجية عامة وقطاعية مرتفعة. سنغافورة الناجحة تنعم بمرتبة تنافسية مرتفعة، أما أندونيسيا المتأخرة نسبيا فتنافسيتها متدنية.  ما هي مدى مساهمة التضييق النسبي على الحريات وعلى حق التجمع والتظاهر في تخفيض نسب النمو؟  هل الحرية هي فعلا أهم مسبب للنمو كما يقول اقتصاديون كبار أمثال «هايك» و«سن» و«فريدمان»، أم انهم مخطئون فيما يتعلق بأوضاع الدول النامية والناشئة؟  تؤكد المؤشرات والدراسات المتنوعة على علاقة ايجابية مباشرة بين الحريات الاقتصادية والنمو.  حصلت الأزمة الأسيوية بعد النجاح، فهل المسببات بنيوية أم عدوى خارجية أو الاثنين معا؟  لا شك أن الركود الياباني الحديث ساهم في اضعاف الاقتصاد الأسيوي وجعله بالتالي معرضا للسقوط.  بالرغم من حدوث أزمة، يبقى النجاح موجودا ومشهود له عالميا.